السبت، 18 ديسمبر 2021

شاعر العراق الدكتور عارف الساعدي

 مشغول


 عارف الساعدي


مشغول

مشغول

 مشغول

دائما أُرددُها

فأنا مشغولٌ جداً

مشغولٌ بإيصال أطفالي إلى المدرسة

ومشغولٌ بعودتهم إلى البيت

مشغولٌ بالبيت

مشغولٌ بزوجتي 

وثرثرتها اليومية

بقائمة البيت الطويلة

مشغولٌ بالتسوق

مشغولٌ بالعمل

مشغولٌ بالسفر 

مشغولٌ بالأصدقاء

مشغولٌ بالركض

الركض خلف النساء طبعاً

مشغول حتى بالريموت 

حين أُدير القنوات إلى أطفالي

هم يحتاجون لي  كل لحظةٍ

يحتاجون صدري ليلعبوا عليه

ويحتاجونه ثانية ليبكوا فوقه

مشغول بطلب الماء منتصفَ الليل

وبشراء الحلوى كلَ مساء

مشغولٌ بالحمّى 

التي تدور عليهم واحداً بعد آخر

مشغولٌ بكماداتهم

وأطبائهم

وأدويتهم

مشغولٌ جداً

يا ألله 

كم أنا مزدحمٌ بهذه الحياة 

وكم هي ضاجّةٌ بي 

ممتلئٌ بها 

بصخبها 

بتعبها 

وبحلاوتها

مشغول جدا 

أقولها متعبا

لكلِ الوجوه التي تسألُني 

أين أنت؟

فيشفقون عليَ

لأننًي مشغولٌ

ولكنَي متلذذاً أقولها

مشغول 

مشغول 

مشغول

 ...............


كيف لهذا المشغول جدا

أنْ يستيقظ في يومٍ من الأيام 

وهو بلا شغل

المشغول جداً

لم يعد يحتاجه أولاده لشراء الحلوى

ولم يعودوا يبكون على صدره


المشغول جدا فائضٌ عن حاجة أولاده

لم يطلبوا منه الماء منتصف الليل

لأنهم في غرفٍ بعيدة عنه

لم يعكروا ليله مع زوجته

وها هو ليله الآن صافٍ بلا أطفال

وهادئٌ بلا صراخ

وموحش بلا طلبات

ولكن سريره بارد 

في الثلث الاخير من الحب

ليس بوسعه أنْ يوصلهم 

إلى مدارسهم

لأنَهم لا يحتاجونه الآن

لم يعد يحملهم إلى الأطباء

لأنهم لم يعودوا يخبرونه كلَ شيء

منذ زمنٍ طويل

لم يسمع تفاهاتِهم اللذيذة

ونفاق بعضهم على بعض

ها هم الان

يتندرون على شيبه الكثيف

ويسخرون من مزاجه في الأغاني

أين ذاك المشغول يارب

أين ذاك الذي يتسلَى بالوقت 

حين يكون مشغولاً

ها هو الوقت يتسلًى به الان كما يشتهي

لم يعد يردد كلمة مشغول

لأنَ هاتفه النقال

بدأ يخلو شيئا فشيئا

من الأصدقاء

هو يحتفظ بأرقام  أصدقائه الموتى فقط

يتّصل عليهم كلَ وحشة

فيردّون عليه

بأنهم مشغولون

...............

أصدقاؤه الخمسة الاف في الفيس بوك

مات الكثير منهم 

وضاع الكثير أيضا

وحذفه الكثير

الفيس بوك انقرض تماما

ليس في فضائه الموحش سواه

وثلاثة أصدقاء آخرين

ينشرون كلَ شهرين 

صوراً تعود لأربعين سنةً مضت

فيرى ثلاثة لايكات

ويقرأ تعليقين

"شباب دائم"

يضحك طويلا

ويغلق صفحته 

ولا ينام


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق