الاثنين، 8 يونيو 2020


..........

الاشتغالات الانزياحية والدلالية في قصيدة النثر الحداثوية ديوان *مدان في مدن* للشاعر العراقي فائز الحداد أنموذجاً

سعدي عبد الكريم

* دراسة نقدية *
القسم الأول

تعتبر ُاللّغة .. المنهج المعرفي ، والنشاط التداولي على بسيطة الخلق بالكلية ، وقد تفرَّد الإنسان في إنشاء مملكة أبجديته المقدَّسة وفق مضامين حروفها ومقاطعها مستعيناً بوعيه البدائي ، وموائماً مرادفاتها لخلق جملة مفهومة في زمن المواضعة الأولى ، وحين كتب الإنسان الرافدينيّ أول حرف سومريّ على مساحة اشتغالاته المُنسابة مع احتياجاته الوظائفية ، والأسطورية ، والدينية ، وكأنه يدرك تماماً ما يجول في مخياله الجمالي ليدوّن عبر حرفه المكتشف ملحمته الخالدة (كلكامش) لأنه كان يعرف أهمية القانون والتشريع في حياته ، لذا سنَّ (مسلة حمورابي) وقد خلَّد التاريخ له السبق في تدوين حرفه الممشوق .. شعراً ، من خلال ترانيمه الدينية المقدسة ، وملاحمه الإلهية الشعرية ، وانثيالاته الطقسية البدائية.
وتـُعدُ اللغة .. الاشتراط الضروري المُلهم لتداول مناهل المعرفة وفهمها فهما جماليا واعيا ، وتلقيها وفق اشتراطاتها التدوينية ، ومعايير منظومتها الأدبية بأجناسها المختلفة ، ومن دونها يصبح ذلك الاشتراط معطلا ، والتلقي ، والنقد غير ملزمين بافتراض تواجدهما في حلقة الاستدعاء الجمالي للمنتج الأدبي لذلك التداول الحصيف ، والبرهان على إمكانية التنظير له ، والإفصاح عن المعالجات النقدية للنصوص الأدبية الخارجة من جلابيب اللغة ، لإحالتها الى مناطق محاذية تراقب النصوص لترتقي بها صوب ملاحق التفسير ، والتأويل ، ولعل منظومة التلقي من أواصرها التداولية الناجعة ، ويُعدُ النقد الأدبي بشكلانيته الموزعة على الجهد الاستنباطي والمذاهبي ، والمدارسي ، والأسلوبي ، من المهمات التحليلية لتفكيك طلاسمها اللّغوية باعتبارها معبئة بالانزياحات اللّغوية ، والعديد من نظم الأنساق العلاماتية ، الدلالية المختزنة .
ويـُعدُ الانزياح ، والدلالة من الاشتغالات اللّغوية والحسيّة والبنيوية المتدفقة داخل قصيدة النثر الحداثوية ، باعتبارها من الأجناس الأدبية التي تتبى اللغة في اشتغالاتها الصورية المخيالية ، والواقعية ، والقصدية ، وألا قصدية ، باعتبارها الأس الأصيل والابتدائي الداعم لحراكها المستفيض على مساراتها الجمالية ، واللغة هي الموطن الآمن في فسحات اشتهادات الشعر ، واشتهاءاته ، والهادفة الى تكوّير اللفظة ذات الفهمية القطبية الواحدة (المعنى) إلى معنى المعنى ، لضمان توافر الدال والمدلول في بينتها العلاماتية باستثمار الدلالة اللفظية داخل النصّ ، والتي تؤسس لحوار مخيالي ذهني عال بين ملاحق التأثير اللفظي واللغوي بفاعلية قصوى في جسد النصّ الشعريّ التثري عبر المعايير الفنية والدعائم والركائز التقنية ذات الأهمية القصوى في عملية التنظيم التراتبي على ضوء مفاتن جرسية ملهمة معافاة ، للارتقاء بها صوب بواعث الدهشة ، وملامح الإنصات ، لتحقيق درجة فضلى من درجات الاستجابة من لدن المتلقي ، ولعل من أهم تلك المعايير ، والدعائم ، والركائز هي اللغة المستثمرة في النصّ النثري ، والموسيقى الداخلية التي تعتبر الوازع الجمالي للنصّ ، والإيقاع الحسيّ العالي الذي يتفرد بالانصات لاحتمالات التلاعب الشعوري للنصّ ، وإبداع المخيال ألتأثيثي للشاعر المؤسس لإنتاج ذلك الضّوء المشعّ في رحم الصورة الشعريّة المؤثرة داخل بواتق الإبهار ، والتسلل صوب ناصية المفاجأة ، ولاسترداد فعل التساوق الانفعالي المُشكل للصدمة الاستقبالية ، في تأثيث فضاء المشهد الشعريّ الذي يعتلي ناصية الظاهرة الشعرية ، والتي من شانها كسر حاجز السائد ، والقفز على المألوف.
ولعل مفهوم السيميولوجيا Semiologie (علم الإشارات) هي من الاشتغالات المهمة داخل متنها السياقي عبر العلامات وأقطاب الإشارات والدلالات وقصديتها في اللغة الإنسانية وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي ، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وماهو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري حيث يرى فرديناند دو سوسير Saussure بأن اللسانيات هي جزء من علم الإشارات أو السيميولوجيا ٍ، فإن رولان بارت Barthes في كتابه (عناصر السيميولوجيا) يرى بأنها هي الجزء ، واللسانيات هي الكل ، ويعني بأن السيميولوجيا في دراستها لمجموعة من الأنظمة غير اللّغوية تعتمد على عناصر اللسانيات في دراستها ، وتفكيكها ، وتركيبها، ومن أهم هذه العناصر اللسانية عند رولان بارت هي ، الدال ، والمدلول ، واللغة ، والإيحاء ، والمحور الدلالي ، والمحور التركيبي النحوي .
وقد عبر الفيلسوف الايطالي (بينيديتو كروتشه) عن ذلك ، حيث صرح عن الخلق في لغة الشعر قائلاً :-
*(إن اﻟﻠّﻐﺔ خلق دائم ، ﻓﻤﺎ ﻋُـبَّر ﻋﻨﻪ ﺗﻌﺒﻴﺮاً لغوياً ، لن يتكرر)*
وهذا المعنى من القول ، يقودنا الى ان حاضرة الصورة الشعرية واستثمار اللغة ودلالاتها العائمة بداخلها ، لن يتأتى مرة ثانية ، لكونها خارجة من مصدر واحد ، وهو صوت مخيال الشاعر ، ورغبته العارمة في تحقيق ما هو جديد ، وكسر طوق السائد عبر مُلهمه الشعريّ.. قصيدة النثر الحداثوية .
ولو رجعنا الى معجم المعاني الجامع لوجدنا بان الدَّلالة تعني :-
دَّلالة : اسم ، والجمع دلائل ، ودلالات ، و دَلالة م دِلالة مصدر دلَّ
والدَّلالة : إشارة ، علامة .
وعلم الدَّلالة من ( العلوم اللغوية ) المختص بدراسة معاني الألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية في سياقاتها المختلفة .
وخير الكلام ما قلَّ ودلَّ : أفضل القول ما يعبّر عن معنى كثير بوجيز الألفاظ .
وهنا يكتمل معنى الجزء الأهم من موسوم الدراسة ( الانزياح ، والدلالة ) فلو مزجنا مفردتي ( الانزياح+الدلالة ) لوجدنا عند مراسيم اشتغالنا النقدي إنهما لا يحملان ذات الطابع الفحيوي في لغة النقد ، ولكنهما يشتغلان في جوهر اللغة الشعرية للنص ، بمعنى ، لو سلمنا بان من أهم خصائص الشعر هو امتلاكه ذلك الكم الباذخ في القدرة على الانزياح في متن اللغة باعتبارها المورد الأساس في تغذية النص الشعري ، وهو بالتالي يلعب على الأوتار الموسيقية لذلك النص ليرفعه من خموله الآني ، الى مصاف الحيوية الجرسية الموسيقية الروحية العالية ذات الطابع اللغوي العالي ، والتعبير الصوري النبيل ، واعتبار الدلالة الشعرية من أهم المجسات الاشتغالية داخل معالم قصيدة النثر الحداثوية ، لأنها تبرهن على قدرة الشاعر ومخياله الجمالي في صياغة نصه معتمداً على التواري خلف الخصائص الدلائلية في اللغة ، والاستتار خلف قصيدته المخبوءة تحت دثاره الشعري ليرتقي بنصه صوب مباهر ذلك الإيقاع الخفي للغة لاسترداد صحة وعافية النص الشعري من الخمول ، وعدم إيغاله بالمباشرة السمجة ، والسرد القصي .
ومن هنا نجد بان الاعتبارين المهمين في ارتكازنا على جمع الخاصتين الاستكشافيتين في لغة النقد ما بين الانزياح والدلالة هما الأوفر حظا في الولوج الى عوالم الشاعر العراقي المُلّهَم فائز الحداد وديوانه مدان في مدن .
حينما تساوقت قراءتي لديوان ( مدان في مدن ) للشاعر العراقي ( فائز الحداد) ذلك الطائر المحلق بعيداً في تخوم الأبجدية ، ليؤثث له مملكة من الإيقاظ السحري للصورة الشعرية الملاصقة لمواشجاته الجمالية المتخمة بالاحتجاج ، والترقب الانسيابي ، والمترعة بذلك التأمل السحريّ الذي يأخذنا صوب منصات الإبهار ، وملاحق الافتتان داخل إيقوناته المخملية الحادة المزاج ، والطرية الوجع بذات اللحظة ، في ترتيب أوراقه التضادية المزعم شكلنتها في بواتقه المعرفية الجمة ، المحاذية لقدرته البلاغية في تستطير ملهمه الشعري على ورق رطب من الالق ، ليؤسس له منطقة دافئة لليبوح من خلالها بكل ما تصطلي به ذاته المتمردة على الواقع ، والرافضة لكل أشكال الخنوع ، والمصالحة مع الأنظمة بجلّ أشكالها ، وتنوعاتها التعسفية ، والمتسلطة على غبطة الماورائية بحجة التفتيش عن ملاجئ لها في مسرات الشعوب .
لقد أسس الشاعر لنفسه منظومة تداولية راقية ، لخرق المألوف عن طرائز مساراته الانزياحية الدلالية عبر تثوير اللحظة الساكنة ، وإحالتها الى مرجعياتها الأولى المتفرجة ، كمادة ناشطة خام ، خلقت من حميم توالده الأزمنة ، لترقد بسلام على ايائكه الشعرية المهيبة .
وبرأينا النقدي .. امتلك الشاعر ( فائز الحداد ) عبر تجربته التدوينية الطويلة الموزعة على محطات سِفره التكويني الشعري ، فهو شاعر مشاغب ، عنيد ، امتلك من الجرأة ما لا يمتلكه الكثيرون من مجايليه ، فهو تارة يخاطب الآلهة ، وأخرى يتخطى العرف ، والأطر ، والحواجز ، واللافتات العرضية التي يرفعها المجتمع كمحطات تقليدية راكدة ومجحفة ، ثم يشهر احتجاجاته المعلنة كمعارض أنيق في بعض الأحايين ، لذلك نجده ينتج هذا الزخم الدلالي عبر محاوراته المستقرة داخل لواعجه الذاتية المحتجة ، ونزعاته الجمعية من خلال خطابه الشعري الموشح برهبة ذات مجسات لغوية تستطيع ان تخلق لها متنفسا داخل جلباب الانزياح والدلالة الشعرية ، فهو يلجأ في معظم حالاته الثورية الى فض الصلح بين نزعته التمردية ، وصوته الاحتجاجي ، وغضبه المعارض ، وبين ما هو راضخ لسيطرة الآلة الرقابية الذاتية والجمعية والحكومية على حد سواء ، لأنه يستشكل على فرضية السكوت قوامها المحدود ، وصمتها عن البوح الغير مبرر ، ورفضه لقيودها الغير متحررة من لهجة الاستعباد ، ليشق حاجز الخوف بداخله أولا ، وبالتالي ليهيئ لمساراته الاحتجاجية انساقا من التعددية للذات الجمعية ثانيا ، و (الحداد ) يضغط على الحرف برشاقة ، لينتزع منه جموده ، ويبرئه من شلله المؤقت ، وليستثمر فاعلية الق الحرف المتموسق مع مهاراته الفنية العالية ، وأدواته التقنية المبهرة ، في تدجين الجملة الشعرية ، وعدم إبقاءها على ركودها السابق ، بل يأخذ بيدها صوب معالم الدهشة ، واستفزاز كامل خزينها اللحظوي ، والتاريخي ، ومكتنزاتها التعبوية الحادة ، والمسترخية أحيانا ً ، ليعلن لنا بأنه شاعر من طراز خاص ، ولد من سلالة شعرية نبيلة ، ولأنه شاعر يعتني باستدلالاته وانزياحاته اللّغوية ، الغير مكررة في ملامساته الجمالية للصورة الشعرية ، فهو يخبئ تحت جلبابه الشعريّ مدخرات كافية ليخلع جلده القديم ، والانفكاك من محبسه داخل ثكنات المعايير القديمة ، وهيمنة التقليدي ، على الحداثوي ، لأنه يمتاز بذلك القدر الإلهامي لتوزيع جهده المخيالي الجمالي على حدود قصائده ، وهو أيضا لا يقولب ذاته الشعرية داخل حجر الإيقاع الرتيب ، والموسيقى الجامدة ، والجرسية المحتضرة ، والجمل اللغوية المرتبكة ، والسرد النثري المفرط ، بل انه ينفر منها بالكلية ، ليؤسس له قداساً شعرياً ، ويقود جوقته الموسيقية وبامتياز استثنائي ، وليردد مع المتلقي ، ترانيم مساحاته الشعرية الوافرة الجمال .
إن ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺸﻌﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺤﻠﹼﻕ بها ﺍﻟﺸﺎﻋﺭ ﻭﻤﻥ ﺨﻼل انزياحاتها ، ودلالاتها داخل فضاءاته الرحبة ، وروحه المتوثبة لخلق قصيدة نثر حداثوية عبر موارد الانزياح والدلالة اللغوية من خلال مخياله التصوري الخصب ، المبتعد عن شكل القصيدة الكلاسيكية ، والغير ملتزم بقواعدها العروضية .
وهنا علينا الاعتراف .. بان الشاعر العراقي المُجدد ( فائز الحداد ) قد نجح أيما نجاح في استثمار طاقاته الشعرية المختزلة ، وأقصى درجات الاستفزاز لملكات مخياله الشعريّ المحلق بعيدا في اللامرئي من الأشكال ، والمسميات ، واستنفار ملكاته الفنية ، ومهاراته اللّغوية العالية ، وتقنية استخدام لغة الانزياح بشكلها التراتبي ، وتعيين ملاحق إيغال الدلالة داخل متن قصيدة النثر ، ليخلص لنا بنتاج شعريّ حائز على شكل جديد ومائز تحيطه الانصهارات الجمالية ، والتحليقات الإبهارية داخل فضاءاته المخيالية ، والإعلان عن موقفه الاحتجاجي ، ونبرة صوته المعترضة ، ومحسنات لغته العالية ، واضطراباته المؤقتة ، والدائمة المتجذرة في أعماقه المسئولة عن ذلك الاحتدام الناتج عن محصلة قفزه على كل ما هو راكد ، وجامد ، ومتقولب ، وسائد ، ومألوف ، الى معالمه الاستاتيكية التي تشي بفحولة شعرية فائقة وهو يرتدي حلة شعرية باهرة ، ولغة تثوير هائمة في ملامحه العراقية الغائصة بتراب الأرض ، والشاربة من مياه الفراتين ، والنائمة على ضفاف النخل ، والجمال ، والهيبة ، وتلك الروح الشعرية (الفائزة) المشتغلة داخل مواطن متخفية تحت جلابيب الشاعر الانزياحية والدلالية ، فهو شاعر غرف من شواطئ البلاغة ، ونهل من مصابات انهر الشعر فصاحته ، وشيّد أصالته الشعرية من نبله العربي ، والتحف جسد القدرة على خلق صور شعرية عبر مخياله الشعري الفاخر، وحصافته الجَلِدة والمتمرسة في تقصي جريان الحرف ليؤثث من خلالها مشهده الشعري .
ان ( الحداد ) بكونه احد شعراء السبعينيات من القرن المنصرم ، شاعر ثائر على تدويناته الشعرية الأولى أبان الستينيات التي كانت هائمة في فضاء التقليدية ، ومواريث القصيدة العروضية ، والكلاسيكية ، فهو شاعر يثور على كل ما هو نمطي وغير متحرك وفق منظمة الحياة المتجددة الراحلة صوب مزاعم جمالية أخرى لبناء نافذة مشرعة تدخل عبرها افواج التراتيل اللّغوية الفحلة ، فهو يمتلك تلك الحصافة الاستنباطية ، والدلائل ذات القيمة الاشاراتية المخبوءة ، والانزياحات اللغوية اللائقة بجسد القصيدة الحداثوية المعافاة .
لقد بقىّ (الحداد) أمينا على شعره ، وصادقا مع ذاته ، ومع المتلقي ، وحريصا على مواقفه ، ومميزا في أطروحاته الشعرية ، ورائدا فيها ، وراقيا في التعامل معها ، ولأنه احد الشعراء المجددين بشكل قصيدة النثر الحداثوية ، وهو شاعر جاء من قاع تلك التراتبية الحالمة بالتجديد ، والثورة على الأشكال القديمة ، ليتخلص من قيود العروض ، وسلالة سجن القصيدة القديم ، لذا نراه قد نفر من تدويناته القديمة ولجأ لخلق شكل حداثوي لقصيدة النثر .
لقد اخذ ( الحداد ) على عاتقه تلك المهمة في تغيير شكل قصيدة النثر ، وإحالتها الى إيقونات متفجرة في رحم الانزياح اللغوي ، والدلالة الشعرية ، ليطوع قصيدته النثرية لسحب البساط من تحت قدم القصيدة الكلاسيكية ، فهو شاعر متمرد كبير على العروض ، وكما صرح ( أبو العتاهية ) من قبل قائلا ً:-
(( أنا اكبر من العروض )) !!!........
وهكذا أطلق ( الحداد ) العنان لروحه النازحة صوب الاتقاد الجمالي ، وملامح التغيير ، فلا يمكن للعروض ان تقف حائلا أمام تطلعاته النبيلة في تقديم شكل لقصيدته المشتهاة ، وليخلق له متراسا لغويا يستطيع من خلاله الدفاع عن شكل قصيدته ومدلولاتها ، فانشأ له مصفدات تحميه من الإقفال على قصيدة العروض ، بل انطلق بروحه الهائمة ، وملاذاته الحالمة ، واشتهاءاته الشفيفة ، وانسيابيته الجميلة ، وخبرته الرائدة ، واستحضارته الباهرة ، ومعجباته اللّغوية ، ان يخلق له تميزاً ، بل تفرداً في كتابة قصدية النثر الحداثوية .
ونحن ندخل الى محرابه الشعري ، لنحقق من خلاله نظرتنا النقدية عبر ديوانه الجديد ( مدان في مدن ) ليأخذنا الفضول بالولوج الى الديوان من خلال تشفير غلافه الذي يخفي في طياته انزياحا دلائلياً ، لا بد من تأمله بصورته الرامزة .
فصورة الغلاف كما هو مذكور ، مأخوذة من فيلم عالمي والحقيقة لم يتضح لنا تحديدا من أي فليم مأخوذة لكان الذكر أولى ، يظهر في الصورة رجل ضبابي غير واضح المعالم ، يبدو خائبا ، وهو يضع يده في جيب معطفه الأسود الطويل ، منكس الرأس كأنه خرج من حرب خاسرة ، وتبدو صورة الرجل المواكبة لوضعية الخلفية الضبابية المحفوفة بالدمار والخرائبية ، والتي رافقت هذا الخيبة وذلك الانكسار ، يبدو ان استثمار الانزياح والدلالة لدى الشاعر قد شملت المصمم فاستثمرها بأقصى صورها المخيالية ، ربما وعند الولوج الى البيت نأخذ انطباعا أوليا عنه من خلال بابه الخارجي على مدى عافية ذلك البيت المأهول ، وهذه الصورة تعكس وبوضوح بان الرجل ذو الهيئة الضبابية ، هو ذات الشاعر الذي وقف في حيز الموسوم (مُدان في المدن) ، ولعل من الجميل ان تتواءم نظرة المصمم مع فحوى متن الديوان ، ومخيال الشاعر الخصب في اجتهاداته الدلالية .
لقد استثمر الشاعر ( فائز الحداد ) جلّ حيثيات المكان في ديوانه ليبث من خلاله انزياحاته ودلالاته التي تشير الى معنى مبطن ، مفرود بإيحائية يجب التفرس بها لالتقاطها ، ومن ثم عزلها والنزوح الى بوتقة ترتيب أولويتها في صدارة الدلائل والانزياحات المكتنزة داخل الديوان .
ولو عدنا وبنظرة سريعة وموجزة لتفسير وتحليل صورة الغلاف ، لاكتشفنا بان الشاعر حقق معادلة سيميائية دلالية واضحة المعالم من خلال جمع ( صورة الرجل الضبابية الغير واضحة المعالم ( دليل الخيبة ) + المعطف الأسود الطويل الذي يرتديه ( الرامز الى الحزن العميق ) + الخلفية الخرائبية + ( الدلالة على مخلفات الحروب ) + إدانته في المدن + عتمة المشهد بكليته = دلالة انزياحية من صورة الفرد وسط هذه القاتمة كطرف من المعادلة ، الى معادلة أوسع واشمل يمضونها من الأولى وهي صورة مجتمع برمته يعيش تحت وطأة هذه القاتمة الخرائبية ، والتناحر الشديد ، والتفكك الأشمل– تتمة -
ف

..........

الاشتغالات الانزياحية والدلالية في قصيدة النثر الحداثوية ديوان *مدان في مدن* للشاعر العراقي فائز الحداد أنموذجاً

سعدي عبد الكريم

* دراسة نقدية *
القسم الأول

تعتبر ُاللّغة .. المنهج المعرفي ، والنشاط التداولي على بسيطة الخلق بالكلية ، وقد تفرَّد الإنسان في إنشاء مملكة أبجديته المقدَّسة وفق مضامين حروفها ومقاطعها مستعيناً بوعيه البدائي ، وموائماً مرادفاتها لخلق جملة مفهومة في زمن المواضعة الأولى ، وحين كتب الإنسان الرافدينيّ أول حرف سومريّ على مساحة اشتغالاته المُنسابة مع احتياجاته الوظائفية ، والأسطورية ، والدينية ، وكأنه يدرك تماماً ما يجول في مخياله الجمالي ليدوّن عبر حرفه المكتشف ملحمته الخالدة (كلكامش) لأنه كان يعرف أهمية القانون والتشريع في حياته ، لذا سنَّ (مسلة حمورابي) وقد خلَّد التاريخ له السبق في تدوين حرفه الممشوق .. شعراً ، من خلال ترانيمه الدينية المقدسة ، وملاحمه الإلهية الشعرية ، وانثيالاته الطقسية البدائية.
وتـُعدُ اللغة .. الاشتراط الضروري المُلهم لتداول مناهل المعرفة وفهمها فهما جماليا واعيا ، وتلقيها وفق اشتراطاتها التدوينية ، ومعايير منظومتها الأدبية بأجناسها المختلفة ، ومن دونها يصبح ذلك الاشتراط معطلا ، والتلقي ، والنقد غير ملزمين بافتراض تواجدهما في حلقة الاستدعاء الجمالي للمنتج الأدبي لذلك التداول الحصيف ، والبرهان على إمكانية التنظير له ، والإفصاح عن المعالجات النقدية للنصوص الأدبية الخارجة من جلابيب اللغة ، لإحالتها الى مناطق محاذية تراقب النصوص لترتقي بها صوب ملاحق التفسير ، والتأويل ، ولعل منظومة التلقي من أواصرها التداولية الناجعة ، ويُعدُ النقد الأدبي بشكلانيته الموزعة على الجهد الاستنباطي والمذاهبي ، والمدارسي ، والأسلوبي ، من المهمات التحليلية لتفكيك طلاسمها اللّغوية باعتبارها معبئة بالانزياحات اللّغوية ، والعديد من نظم الأنساق العلاماتية ، الدلالية المختزنة .
ويـُعدُ الانزياح ، والدلالة من الاشتغالات اللّغوية والحسيّة والبنيوية المتدفقة داخل قصيدة النثر الحداثوية ، باعتبارها من الأجناس الأدبية التي تتبى اللغة في اشتغالاتها الصورية المخيالية ، والواقعية ، والقصدية ، وألا قصدية ، باعتبارها الأس الأصيل والابتدائي الداعم لحراكها المستفيض على مساراتها الجمالية ، واللغة هي الموطن الآمن في فسحات اشتهادات الشعر ، واشتهاءاته ، والهادفة الى تكوّير اللفظة ذات الفهمية القطبية الواحدة (المعنى) إلى معنى المعنى ، لضمان توافر الدال والمدلول في بينتها العلاماتية باستثمار الدلالة اللفظية داخل النصّ ، والتي تؤسس لحوار مخيالي ذهني عال بين ملاحق التأثير اللفظي واللغوي بفاعلية قصوى في جسد النصّ الشعريّ التثري عبر المعايير الفنية والدعائم والركائز التقنية ذات الأهمية القصوى في عملية التنظيم التراتبي على ضوء مفاتن جرسية ملهمة معافاة ، للارتقاء بها صوب بواعث الدهشة ، وملامح الإنصات ، لتحقيق درجة فضلى من درجات الاستجابة من لدن المتلقي ، ولعل من أهم تلك المعايير ، والدعائم ، والركائز هي اللغة المستثمرة في النصّ النثري ، والموسيقى الداخلية التي تعتبر الوازع الجمالي للنصّ ، والإيقاع الحسيّ العالي الذي يتفرد بالانصات لاحتمالات التلاعب الشعوري للنصّ ، وإبداع المخيال ألتأثيثي للشاعر المؤسس لإنتاج ذلك الضّوء المشعّ في رحم الصورة الشعريّة المؤثرة داخل بواتق الإبهار ، والتسلل صوب ناصية المفاجأة ، ولاسترداد فعل التساوق الانفعالي المُشكل للصدمة الاستقبالية ، في تأثيث فضاء المشهد الشعريّ الذي يعتلي ناصية الظاهرة الشعرية ، والتي من شانها كسر حاجز السائد ، والقفز على المألوف.
ولعل مفهوم السيميولوجيا Semiologie (علم الإشارات) هي من الاشتغالات المهمة داخل متنها السياقي عبر العلامات وأقطاب الإشارات والدلالات وقصديتها في اللغة الإنسانية وإذا كانت اللسانيات تدرس كل ماهو لغوي ولفظي ، فإن السيميولوجيا تدرس ما هو لغوي وماهو غير لغوي، أي تتعدى المنطوق إلى ماهو بصري حيث يرى فرديناند دو سوسير Saussure بأن اللسانيات هي جزء من علم الإشارات أو السيميولوجيا ٍ، فإن رولان بارت Barthes في كتابه (عناصر السيميولوجيا) يرى بأنها هي الجزء ، واللسانيات هي الكل ، ويعني بأن السيميولوجيا في دراستها لمجموعة من الأنظمة غير اللّغوية تعتمد على عناصر اللسانيات في دراستها ، وتفكيكها ، وتركيبها، ومن أهم هذه العناصر اللسانية عند رولان بارت هي ، الدال ، والمدلول ، واللغة ، والإيحاء ، والمحور الدلالي ، والمحور التركيبي النحوي .
وقد عبر الفيلسوف الايطالي (بينيديتو كروتشه) عن ذلك ، حيث صرح عن الخلق في لغة الشعر قائلاً :-
*(إن اﻟﻠّﻐﺔ خلق دائم ، ﻓﻤﺎ ﻋُـبَّر ﻋﻨﻪ ﺗﻌﺒﻴﺮاً لغوياً ، لن يتكرر)*
وهذا المعنى من القول ، يقودنا الى ان حاضرة الصورة الشعرية واستثمار اللغة ودلالاتها العائمة بداخلها ، لن يتأتى مرة ثانية ، لكونها خارجة من مصدر واحد ، وهو صوت مخيال الشاعر ، ورغبته العارمة في تحقيق ما هو جديد ، وكسر طوق السائد عبر مُلهمه الشعريّ.. قصيدة النثر الحداثوية .
ولو رجعنا الى معجم المعاني الجامع لوجدنا بان الدَّلالة تعني :-
دَّلالة : اسم ، والجمع دلائل ، ودلالات ، و دَلالة م دِلالة مصدر دلَّ
والدَّلالة : إشارة ، علامة .
وعلم الدَّلالة من ( العلوم اللغوية ) المختص بدراسة معاني الألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية في سياقاتها المختلفة .
وخير الكلام ما قلَّ ودلَّ : أفضل القول ما يعبّر عن معنى كثير بوجيز الألفاظ .
وهنا يكتمل معنى الجزء الأهم من موسوم الدراسة ( الانزياح ، والدلالة ) فلو مزجنا مفردتي ( الانزياح+الدلالة ) لوجدنا عند مراسيم اشتغالنا النقدي إنهما لا يحملان ذات الطابع الفحيوي في لغة النقد ، ولكنهما يشتغلان في جوهر اللغة الشعرية للنص ، بمعنى ، لو سلمنا بان من أهم خصائص الشعر هو امتلاكه ذلك الكم الباذخ في القدرة على الانزياح في متن اللغة باعتبارها المورد الأساس في تغذية النص الشعري ، وهو بالتالي يلعب على الأوتار الموسيقية لذلك النص ليرفعه من خموله الآني ، الى مصاف الحيوية الجرسية الموسيقية الروحية العالية ذات الطابع اللغوي العالي ، والتعبير الصوري النبيل ، واعتبار الدلالة الشعرية من أهم المجسات الاشتغالية داخل معالم قصيدة النثر الحداثوية ، لأنها تبرهن على قدرة الشاعر ومخياله الجمالي في صياغة نصه معتمداً على التواري خلف الخصائص الدلائلية في اللغة ، والاستتار خلف قصيدته المخبوءة تحت دثاره الشعري ليرتقي بنصه صوب مباهر ذلك الإيقاع الخفي للغة لاسترداد صحة وعافية النص الشعري من الخمول ، وعدم إيغاله بالمباشرة السمجة ، والسرد القصي .
ومن هنا نجد بان الاعتبارين المهمين في ارتكازنا على جمع الخاصتين الاستكشافيتين في لغة النقد ما بين الانزياح والدلالة هما الأوفر حظا في الولوج الى عوالم الشاعر العراقي المُلّهَم فائز الحداد وديوانه مدان في مدن .
حينما تساوقت قراءتي لديوان ( مدان في مدن ) للشاعر العراقي ( فائز الحداد) ذلك الطائر المحلق بعيداً في تخوم الأبجدية ، ليؤثث له مملكة من الإيقاظ السحري للصورة الشعرية الملاصقة لمواشجاته الجمالية المتخمة بالاحتجاج ، والترقب الانسيابي ، والمترعة بذلك التأمل السحريّ الذي يأخذنا صوب منصات الإبهار ، وملاحق الافتتان داخل إيقوناته المخملية الحادة المزاج ، والطرية الوجع بذات اللحظة ، في ترتيب أوراقه التضادية المزعم شكلنتها في بواتقه المعرفية الجمة ، المحاذية لقدرته البلاغية في تستطير ملهمه الشعري على ورق رطب من الالق ، ليؤسس له منطقة دافئة لليبوح من خلالها بكل ما تصطلي به ذاته المتمردة على الواقع ، والرافضة لكل أشكال الخنوع ، والمصالحة مع الأنظمة بجلّ أشكالها ، وتنوعاتها التعسفية ، والمتسلطة على غبطة الماورائية بحجة التفتيش عن ملاجئ لها في مسرات الشعوب .
لقد أسس الشاعر لنفسه منظومة تداولية راقية ، لخرق المألوف عن طرائز مساراته الانزياحية الدلالية عبر تثوير اللحظة الساكنة ، وإحالتها الى مرجعياتها الأولى المتفرجة ، كمادة ناشطة خام ، خلقت من حميم توالده الأزمنة ، لترقد بسلام على ايائكه الشعرية المهيبة .
وبرأينا النقدي .. امتلك الشاعر ( فائز الحداد ) عبر تجربته التدوينية الطويلة الموزعة على محطات سِفره التكويني الشعري ، فهو شاعر مشاغب ، عنيد ، امتلك من الجرأة ما لا يمتلكه الكثيرون من مجايليه ، فهو تارة يخاطب الآلهة ، وأخرى يتخطى العرف ، والأطر ، والحواجز ، واللافتات العرضية التي يرفعها المجتمع كمحطات تقليدية راكدة ومجحفة ، ثم يشهر احتجاجاته المعلنة كمعارض أنيق في بعض الأحايين ، لذلك نجده ينتج هذا الزخم الدلالي عبر محاوراته المستقرة داخل لواعجه الذاتية المحتجة ، ونزعاته الجمعية من خلال خطابه الشعري الموشح برهبة ذات مجسات لغوية تستطيع ان تخلق لها متنفسا داخل جلباب الانزياح والدلالة الشعرية ، فهو يلجأ في معظم حالاته الثورية الى فض الصلح بين نزعته التمردية ، وصوته الاحتجاجي ، وغضبه المعارض ، وبين ما هو راضخ لسيطرة الآلة الرقابية الذاتية والجمعية والحكومية على حد سواء ، لأنه يستشكل على فرضية السكوت قوامها المحدود ، وصمتها عن البوح الغير مبرر ، ورفضه لقيودها الغير متحررة من لهجة الاستعباد ، ليشق حاجز الخوف بداخله أولا ، وبالتالي ليهيئ لمساراته الاحتجاجية انساقا من التعددية للذات الجمعية ثانيا ، و (الحداد ) يضغط على الحرف برشاقة ، لينتزع منه جموده ، ويبرئه من شلله المؤقت ، وليستثمر فاعلية الق الحرف المتموسق مع مهاراته الفنية العالية ، وأدواته التقنية المبهرة ، في تدجين الجملة الشعرية ، وعدم إبقاءها على ركودها السابق ، بل يأخذ بيدها صوب معالم الدهشة ، واستفزاز كامل خزينها اللحظوي ، والتاريخي ، ومكتنزاتها التعبوية الحادة ، والمسترخية أحيانا ً ، ليعلن لنا بأنه شاعر من طراز خاص ، ولد من سلالة شعرية نبيلة ، ولأنه شاعر يعتني باستدلالاته وانزياحاته اللّغوية ، الغير مكررة في ملامساته الجمالية للصورة الشعرية ، فهو يخبئ تحت جلبابه الشعريّ مدخرات كافية ليخلع جلده القديم ، والانفكاك من محبسه داخل ثكنات المعايير القديمة ، وهيمنة التقليدي ، على الحداثوي ، لأنه يمتاز بذلك القدر الإلهامي لتوزيع جهده المخيالي الجمالي على حدود قصائده ، وهو أيضا لا يقولب ذاته الشعرية داخل حجر الإيقاع الرتيب ، والموسيقى الجامدة ، والجرسية المحتضرة ، والجمل اللغوية المرتبكة ، والسرد النثري المفرط ، بل انه ينفر منها بالكلية ، ليؤسس له قداساً شعرياً ، ويقود جوقته الموسيقية وبامتياز استثنائي ، وليردد مع المتلقي ، ترانيم مساحاته الشعرية الوافرة الجمال .
إن ﻟﻐﺔ ﺍﻟﺸﻌﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻴﺤﻠﹼﻕ بها ﺍﻟﺸﺎﻋﺭ ﻭﻤﻥ ﺨﻼل انزياحاتها ، ودلالاتها داخل فضاءاته الرحبة ، وروحه المتوثبة لخلق قصيدة نثر حداثوية عبر موارد الانزياح والدلالة اللغوية من خلال مخياله التصوري الخصب ، المبتعد عن شكل القصيدة الكلاسيكية ، والغير ملتزم بقواعدها العروضية .
وهنا علينا الاعتراف .. بان الشاعر العراقي المُجدد ( فائز الحداد ) قد نجح أيما نجاح في استثمار طاقاته الشعرية المختزلة ، وأقصى درجات الاستفزاز لملكات مخياله الشعريّ المحلق بعيدا في اللامرئي من الأشكال ، والمسميات ، واستنفار ملكاته الفنية ، ومهاراته اللّغوية العالية ، وتقنية استخدام لغة الانزياح بشكلها التراتبي ، وتعيين ملاحق إيغال الدلالة داخل متن قصيدة النثر ، ليخلص لنا بنتاج شعريّ حائز على شكل جديد ومائز تحيطه الانصهارات الجمالية ، والتحليقات الإبهارية داخل فضاءاته المخيالية ، والإعلان عن موقفه الاحتجاجي ، ونبرة صوته المعترضة ، ومحسنات لغته العالية ، واضطراباته المؤقتة ، والدائمة المتجذرة في أعماقه المسئولة عن ذلك الاحتدام الناتج عن محصلة قفزه على كل ما هو راكد ، وجامد ، ومتقولب ، وسائد ، ومألوف ، الى معالمه الاستاتيكية التي تشي بفحولة شعرية فائقة وهو يرتدي حلة شعرية باهرة ، ولغة تثوير هائمة في ملامحه العراقية الغائصة بتراب الأرض ، والشاربة من مياه الفراتين ، والنائمة على ضفاف النخل ، والجمال ، والهيبة ، وتلك الروح الشعرية (الفائزة) المشتغلة داخل مواطن متخفية تحت جلابيب الشاعر الانزياحية والدلالية ، فهو شاعر غرف من شواطئ البلاغة ، ونهل من مصابات انهر الشعر فصاحته ، وشيّد أصالته الشعرية من نبله العربي ، والتحف جسد القدرة على خلق صور شعرية عبر مخياله الشعري الفاخر، وحصافته الجَلِدة والمتمرسة في تقصي جريان الحرف ليؤثث من خلالها مشهده الشعري .
ان ( الحداد ) بكونه احد شعراء السبعينيات من القرن المنصرم ، شاعر ثائر على تدويناته الشعرية الأولى أبان الستينيات التي كانت هائمة في فضاء التقليدية ، ومواريث القصيدة العروضية ، والكلاسيكية ، فهو شاعر يثور على كل ما هو نمطي وغير متحرك وفق منظمة الحياة المتجددة الراحلة صوب مزاعم جمالية أخرى لبناء نافذة مشرعة تدخل عبرها افواج التراتيل اللّغوية الفحلة ، فهو يمتلك تلك الحصافة الاستنباطية ، والدلائل ذات القيمة الاشاراتية المخبوءة ، والانزياحات اللغوية اللائقة بجسد القصيدة الحداثوية المعافاة .
لقد بقىّ (الحداد) أمينا على شعره ، وصادقا مع ذاته ، ومع المتلقي ، وحريصا على مواقفه ، ومميزا في أطروحاته الشعرية ، ورائدا فيها ، وراقيا في التعامل معها ، ولأنه احد الشعراء المجددين بشكل قصيدة النثر الحداثوية ، وهو شاعر جاء من قاع تلك التراتبية الحالمة بالتجديد ، والثورة على الأشكال القديمة ، ليتخلص من قيود العروض ، وسلالة سجن القصيدة القديم ، لذا نراه قد نفر من تدويناته القديمة ولجأ لخلق شكل حداثوي لقصيدة النثر .
لقد اخذ ( الحداد ) على عاتقه تلك المهمة في تغيير شكل قصيدة النثر ، وإحالتها الى إيقونات متفجرة في رحم الانزياح اللغوي ، والدلالة الشعرية ، ليطوع قصيدته النثرية لسحب البساط من تحت قدم القصيدة الكلاسيكية ، فهو شاعر متمرد كبير على العروض ، وكما صرح ( أبو العتاهية ) من قبل قائلا ً:-
(( أنا اكبر من العروض )) !!!........
وهكذا أطلق ( الحداد ) العنان لروحه النازحة صوب الاتقاد الجمالي ، وملامح التغيير ، فلا يمكن للعروض ان تقف حائلا أمام تطلعاته النبيلة في تقديم شكل لقصيدته المشتهاة ، وليخلق له متراسا لغويا يستطيع من خلاله الدفاع عن شكل قصيدته ومدلولاتها ، فانشأ له مصفدات تحميه من الإقفال على قصيدة العروض ، بل انطلق بروحه الهائمة ، وملاذاته الحالمة ، واشتهاءاته الشفيفة ، وانسيابيته الجميلة ، وخبرته الرائدة ، واستحضارته الباهرة ، ومعجباته اللّغوية ، ان يخلق له تميزاً ، بل تفرداً في كتابة قصدية النثر الحداثوية .
ونحن ندخل الى محرابه الشعري ، لنحقق من خلاله نظرتنا النقدية عبر ديوانه الجديد ( مدان في مدن ) ليأخذنا الفضول بالولوج الى الديوان من خلال تشفير غلافه الذي يخفي في طياته انزياحا دلائلياً ، لا بد من تأمله بصورته الرامزة .
فصورة الغلاف كما هو مذكور ، مأخوذة من فيلم عالمي والحقيقة لم يتضح لنا تحديدا من أي فليم مأخوذة لكان الذكر أولى ، يظهر في الصورة رجل ضبابي غير واضح المعالم ، يبدو خائبا ، وهو يضع يده في جيب معطفه الأسود الطويل ، منكس الرأس كأنه خرج من حرب خاسرة ، وتبدو صورة الرجل المواكبة لوضعية الخلفية الضبابية المحفوفة بالدمار والخرائبية ، والتي رافقت هذا الخيبة وذلك الانكسار ، يبدو ان استثمار الانزياح والدلالة لدى الشاعر قد شملت المصمم فاستثمرها بأقصى صورها المخيالية ، ربما وعند الولوج الى البيت نأخذ انطباعا أوليا عنه من خلال بابه الخارجي على مدى عافية ذلك البيت المأهول ، وهذه الصورة تعكس وبوضوح بان الرجل ذو الهيئة الضبابية ، هو ذات الشاعر الذي وقف في حيز الموسوم (مُدان في المدن) ، ولعل من الجميل ان تتواءم نظرة المصمم مع فحوى متن الديوان ، ومخيال الشاعر الخصب في اجتهاداته الدلالية .
لقد استثمر الشاعر ( فائز الحداد ) جلّ حيثيات المكان في ديوانه ليبث من خلاله انزياحاته ودلالاته التي تشير الى معنى مبطن ، مفرود بإيحائية يجب التفرس بها لالتقاطها ، ومن ثم عزلها والنزوح الى بوتقة ترتيب أولويتها في صدارة الدلائل والانزياحات المكتنزة داخل الديوان .
ولو عدنا وبنظرة سريعة وموجزة لتفسير وتحليل صورة الغلاف ، لاكتشفنا بان الشاعر حقق معادلة سيميائية دلالية واضحة المعالم من خلال جمع ( صورة الرجل الضبابية الغير واضحة المعالم ( دليل الخيبة ) + المعطف الأسود الطويل الذي يرتديه ( الرامز الى الحزن العميق ) + الخلفية الخرائبية + ( الدلالة على مخلفات الحروب ) + إدانته في المدن + عتمة المشهد بكليته = دلالة انزياحية من صورة الفرد وسط هذه القاتمة كطرف من المعادلة ، الى معادلة أوسع واشمل يمضونها من الأولى وهي صورة مجتمع برمته يعيش تحت وطأة هذه القاتمة الخرائبية ، والتناحر الشديد ، والتفكك الأشمل– تتمة -

السبت، 6 يونيو 2020

ماذا سيفعل كل هذا الحزن في أفق الجنوب ؟
ماذا سيبقى للغروب ؟
وأصابع الشفق المقيت تكاد تلتهم المغيب ..!
أيّان سرتَ فلا ضياء يمر على بدايات الدروب
لادمع مرّ على المآذن حين يذوب في الصدر النحيب
لانغمة الناقوس ترقص تحت أقدام الصليب
ماذا سنفعل إن تخطتنا سنون العمر ..
واغتال الصبا هذا المشيب ؟
السائرون على مفازات الدنى رحلوا...
والنائمون على المتاهات الغريبة لامجيب
الجائعون تضرعوا
مدوا أياديهم الى كبد السماء
وليس هناك من أمل قريب
أين الهروب ؟
وكل أصقاع الدنى لاتشبه النخل المعمد بالدما...
والصمت في وطن السهوب
لاطائرٌ خفقت جناحاهُ
ولا غَرِدٌ على الأفنان من فرحٍ طروب
الموت منتظرٌ
والجوع يأكل من جلابيب اليتامى
ووجوه آلاف الثكالى تستفيق على الشحوب
لاشيء في وطني سوى عطشٍ
وسرّاقٍ
وموجعة الكروب
............................
د .جليل البيضاني
................
ماذا سيفعل كل هذا الحزن في أفق الجنوب ؟
ماذا سيبقى للغروب ؟
وأصابع الشفق المقيت تكاد تلتهم المغيب ..!
أيّان سرتَ فلا ضياء يمر على بدايات الدروب
لادمع مرّ على المآذن حين يذوب في الصدر النحيب
لانغمة الناقوس ترقص تحت أقدام الصليب
ماذا سنفعل إن تخطتنا سنون العمر ..
واغتال الصبا هذا المشيب ؟
السائرون على مفازات الدنى رحلوا...
والنائمون على المتاهات الغريبة لامجيب
الجائعون تضرعوا
مدوا أياديهم الى كبد السماء
وليس هناك من أمل قريب
أين الهروب ؟
وكل أصقاع الدنى لاتشبه النخل المعمد بالدما...
والصمت في وطن السهوب
لاطائرٌ خفقت جناحاهُ
ولا غَرِدٌ على الأفنان من فرحٍ طروب
الموت منتظرٌ
والجوع يأكل من جلابيب اليتامى
ووجوه آلاف الثكالى تستفيق على الشحوب
لاشيء في وطني سوى عطشٍ
وسرّاقٍ
وموجعة الكروب
............................
د .جليل البيضاني
................
البرولِيتاري...انا
__________

اوجَعّتَني
بالعلامة الفارقة
ورحلتَ ضاحِكا
انتَ
الذي خلع الحكاية كأي
ثوب عتيق. !
كأي
خاتم رخيص خلعتني. !
بالأشارةِ قُلتَ ياهذا
انت لسّتَ ساحلي
او اي بلاج من هذا القبيل
مَن انت قُلتَ لي
والوقت
محروق معي. !
قلتَ هاك قرطاسا وقلم
ربما اقرئك وقت فراغي. !
هكذا اوجَعّتَني بالعلامة الفارقة ورحلتَ ضاحِكا. !!
                    '
                    '

حقُكَ. !
انا لااملك سوى وردة
وبياض قلب
انا لااعرف الإيداع في المصارف
هل تعرف معنى (هَبَيّاض).!
اعرف
نحن
لسّنا في صدد الحديث عن الورد والبياض
سأكاتبك عني مَن انا
مؤلم جدا
كم هي رائجة
تلك العلامة الفارقة في الفوارق الطبقية
بين العجلات الفارهة والدراجات الهوائية
بين اشرعة القوارب الصغيرة و'اليَّختات'
بين تولستوي وتشارلي شابلن. !
اختر
ماشئت من الدروب لمرساك
فأنا لااملك سوى الوردة والبياض
ومحفظة جيّب لاتحمل جدول ضرب
لا ضيّرَ لي إن انا بلورلِيتاري
لايفقه برموز القاصات. !
لذلك
تجدني مغردا
على غصون بساطتي
اعتز
كثير بوفائي لنفسي حد التقدير
انثر بذار الصدق على اديم الروح
فترفع العطور قبعاتها لعطر حقول العنبر
مذ طفح 'حَبْ الشباب' على مُحيا وسامتي
نَمَت فحولتي
وانا احمل جذع الحرب على ظهري
اينما تسير اسير
لااعرف الإنحناء لأزيز الرصاص
كم ثقبن جسدي الشظايا وانا احتضن خارطتي
كنت
اتوسد القذائف حالما بالسلام
للآن
وانا احلم بالسلام
مازلت احلم بالدفء
يالوقاحة الدفء
لم يكن عادلا
ايضا علامة فارقة. !
في توزيع القُبلات والعناق
انا
لسّتُ بائعا للكلام
انما سلّ
سجلات المواقف ماشئت عني
لم يشتري ذمتي اي مخلوق لأتبعه
رفقتي لليل سِفرا في تأملات الوجود
فلسفتي
ان اكون آدميا بسيط
رضعت من ثدي النجم إباء
ومن خيط الشمس نسجت رداء
هذا انا
ولي الكثير
من التفاصيل اللا مُمِلة ..
                  '
                  '

أُنبئكَ
عالية الأسوار كرامتي
هي ايضا
علامتي الفارقة
الجذر انا ايتها الغصون
والليل انا ايتها النجوم
الشمس انا ايتها المعاطف
انا المصادر ايتها الفروع
انا السُراج ايتها الطريق
انا الأسواق الشعبية ايتها المولات
انا الأزقة المتعانقة ايتها القصور العاجية
انا الأنسان الآدمي ايتها البشرية
انا العاشق المتيم ايتها القلوب المُجمدة
انا رباطة جأش ايتها الأرداف الراجفة
انا الساحةَ والجسرِ وتشرين ايتها القلوب الخُنثى
انا الورق ايتها(الصكوك). !
انا ذلك السرب الجميل من النوارس ايتها الببغاوات الطبقية
انا العراق والنشيد والتحية يافِراخ التبعية
انا
انا
انا
انا البرولِيتاري
كل شيء انا
هل يوجد مَن يُدحض ذلك.؟

الجمعة، 5 يونيو 2020

اضاءة نقدية / التشكيل البياني في قولبة النص لديوان ( لهاث الأسئلة ) / للشاعر رجب الشيخ
------------------------------
بقلم / الكاتب الصحفي مازن جميل المناف
----------------------------
عند قراءتي للنصوص الشعرية ( لهاث الأسئلة ) توغلت في اغوار معاني الحروف لاظهار الصور البيانية المخبئة بين المفردات والجمل عندما لامست شغاف القلب وحركت الوجدان وغازلت الخواطر وكشفت المفهوم الحقيقي لرسائل تنوعت مرماها واغراضها واتخذت اشكال مختلفة مستخرجا منها جواهر ونفائس والمعاني قدمها الشاعر كوجبة دسمة وهو ( يرتدي الصبح معاطف ويلعن رحلة الحرف في اجمل احتدام ويوقظ صحوة البكاء تحت هاجس مقفل يندلع كمعزوفة حزن في زقاقه المحاصر ويناغم اصابعه اللعوب ) هذا بعض مما لفت انتباهي ونحن امام نصوص نثرية بامتياز بدءاً من العنوان ( لهاث الأسئلة ) هو عنوان ثري يشد القارئ المتلقي ويلفت الانتباه يشيء بعبقرية اختياره وتميزه ويجعله في حنين متواصل متدفق ليكون معبراً حقيقياً لعوالم النص فمتى كان للاسئلة لهاث بمعنى فريد حين تكون الاسئلة مجهدة ومتعبة تحت وطأة النفس عندما تكون ذروة العطش في الجوف الجوهري للهاث ، لقد اجتاح الشاعر القلوب دون تأشيرة او جواز في عمق انصهار الذات مع تجربة تقولبت بالحزن والاسى والاوجاع من ناحية الشكل والمضمون اعتمد الشاعر على تراكيب قصيرة وصور مجازية معبرة وسطرها على هيئة اختلاجات وأنين وحسرات برسائل تلغرافية متجانسة مترابطة تحمل عمقاً في تجليات المفردة وجلال اللغة الرصينة المتماسكة في هيئة ابيات متناسقة تتساقط عندما ( النهار يسع بقايا الجرح ، الضوء مضمحل ) هذا ما وصفه ضمن نصوصه ، لقد استفزه الحنين لعل هذا الوصف يحتاج الى اسهاب في المعنى باعتباره نسق هندسي بارز في مقصود دلالي عفوي لما يعتمد اليه الشاعر في براعة وهو يستدعي استحضار نغم ونسق الحروف بما يستصاغه السمع للمعاني الرفيعة وتنسيق عالي للمفردات وحرفية استدعاء التركيبة البهية المتناغمة مع الصور البيانية مما احدث لغة جديدة اثارت موجات متلاطمة لتصل لحد الجزر والمد وهذا تجذر ثقافي عميق يكشف عن عمق ثقافي غير مستهلك بوجه الحداثة وذلك من خلال تقلب المفردة مغموسة بالشهد والوجع في آن واحد وتوظيف ذلك بعبقرية ليخدم التجربة الشعرية الحديثة ( هكذا ارتب الاشياء بعفوية كي لا يسرقني طيفكَ اللازوردي ) في اجمل عبارة للنص الغير مغلق ضمن ديوان الشاعر ، ولم ننسى ان الشاعر تمتع في وهج المفردة الوجدانية المتناهية التي منحت شيئا من الجمال العقلاني الروحي واستدعاء الحداثة في المفردة والتركيبة في توظيف الحروف ليكسب رونقا جميلاً للنص وعمقاً ليحلق ويسافر بالعقل الى فيافي التفكير واعمال القريحة تحت اجتياح جميل حين يقول الشاعر في احدى نصوصه ( باب جرحي ما عاد ينزف من جديد ، وما زال التفكير لعينيكِ نقطة ضمأ في ليل خافت ) تلك رمزية اهتم فيها الشاعر بشكل حرفي استعمل اللغة المجازية ليحدث حراكاً مميزا لتشظي التجربة من خلال لهاث اسئلته ليشكل تجربة صورية كلوحة مرئية متكاملة لها حدود المكنون كصورة كلية عندما تقرأ النص فهذا يغنينا بأن كل العناصر المستخدمة هي موزعة بالتساوي اللون والحركة والصوت والمعنى والتي تمنح النص قوة ثورية هائلة ، تعامل فيها بعنصرين التكثيف والتركيز ليكسبها حالة من الفردية المميزة عن المطروح بالساحة الادبية وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، ونبقى امام كاتب وشاعر يحمل من الثقافة العربية الاصيلة والحداثة مما يجعله يفك الاشتباك بين الأمرين ولم يعطل من قدرته الحسية والنمطية لليحرر كيانه دون تنكر بل يضع اجابات واضحة تؤطر لهاث تلك الأسئلة دون ترنح او عيوب في ارتدادات جميلة النطق بعيداً عن ترهات الرد في اجمل دلالات ارتكزت عليها معاني القصيدة بشكل عفوي شاعري ، كانها طقوس تدلت عليها روعة واناقة الكلمات في تخوم ذلك اللهاث في طاقة ابداعية ايجابية برزت من خلال نصوصه .

الكاتب والاديب
مازن جميل المناف
العَزف  على  كَمان أخرس

قاسم محمد مجيد  الساعدي

1-

لا شأن لي بقساة القلوب  مادام الحب  لم يلفظ انفاسه الاخيرة , وجوابا" على اسئلة .. كذبت تقاويم الفراق وابتكرت لعبة  أن أرافق حلمي وقت غزواته وان كانت تجرهُ بغالٍ خاوية

2-
في مشهد غرائبي – رأيت  الجنيات يرَميّن ملء أيِديهن من الضوءِ في كهفِ ويضحكن على الظل وهو يعتمر قبعة ....

3-
قال سلفادور دالي لحظةِ احِتضاره  ( أين ساعتي ) 
اغلب الظن أنه تأخر  عن موعد حبيبته

4-
باستثناء أوهام بيضاء أشارك حلم كلكامش الذي  رَوَاهُ  لأمه  (  سوف تراه – وسيضحك قلبك )  لكن كطفل مطيع اسأل متى أَرَاها !!!!
هل ثمة بلاء أكبر من هذا.

5-
ليس عدلا" اراقب العشاق ويدي على خدي  .. وأعرف ,ان لحظة الوداع المّر مثل قطرات ضوء النجوم الضئيلة على سطحِ البحر

6-
على  مسافة أَبعَد من الصَرْخةٌ , أمسك بمجذاف السراب , واقول لأترَكَ  ألعنان للملائكة ان ترفعك  للسماء وترى من هناك دخان النار الإلهُية الزرقاء

7-

هل هناك حدّ  أقصى  للحلم  , وأين مخالب الكابوس ....  ومن يسرب أخر أخبارهُ  لعذراوات النهرِ  فصدقتُ أن  الْحُبِّ  تمسُد  شعْرُهُ جنِيات  قُبَيْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ

8-
مادام  القلب  كَهْفُ تصفرُ فيه الريح , لا ضير أن يعلق شريطا" أسودا" على صورة معلقة للحياة في جدار

9-

نفر من الحب الى الحب  , وندعي انه طفل تبهرهُ الالعاب النارية  ويطارد بكسل موج البحر

10-

ظننت أن الحب ذراعه حول كتفي لكنه ككل الأيام ودائما" يعزف بكمان أخرس

11-

إله العشاق  سجل في مذكراته  ,  لا حاجة لساعي البريد  مادام الحبُ لفظ أنفاسهُ الأخيرة

الخميس، 4 يونيو 2020

أجزاء حلم

:::::::::::::::

صحوت من النوم مفزوعا

أتخبط بالغطاء

أصدر أصواتا

تشبه ضوضاء الأطفال بالبيت

رغم انني كنت أنام وحيدا

بحبس إنفرادي

يفكر برائحة البرتقال

وحكايات الصباح

يفكر بمناخ يفك أزراره

بنشوة متوحشة قابلة للإندلاع

وحينما سقط النوم من جفوني

رحت أقلب بدفتر الحرب

وجدت رصاصتين

الأولى تشظت بصدر أخي

مثل غول بأربعة أعين

أما الثانية لازلت أبحث عنها

نبشت الساتر

وجدتها عارية أزهرت قتلى

تعيش ظنونها بفوهة بندقية

بحثت مؤخرتها

عن تاريخ أول مؤامرة للقتل

عن جدارية أسماء من سقطوا

عن أول رصاصة

أرعبت رشاقة الأحلام .

الأربعاء، 3 يونيو 2020

بانوراما عاشق

كل ُّ الدروب ِ ..
كل ُّ الشجيرات ِ الرخيمة ِ ..
في تضاريس الغروب ِ ..
كل ُّ احتراقات ِ السواقي ..
وانثناءات ِ الندوب ِ ..
كل ُّ القناديل ِ المرتـــّـبة ِ المواسم ِ ..
كل ُّ سيارات ِ صمت ِ الليل ..
والبلد ِ الغريب ِ ..
وسنى ..
تذكرني بعطر ِ وسادة ٍ ..
أرَّختــُها في مقلتيك ِ ..
فماد َ معصمها على شفة ِ الشحوب ِ ..
* * *
( دمع ٌ على الورد ِ ..
أم ورد ٌ على الدمع ِ ..
لا فرق َ عندي .. فكل ٌّ سال َ من شمعي ..
من لؤلئي ..
من غنائي ..
من تشاجر أقلامي ..
ومن قلق ٍ .. ملقى ً .. على طبعي ..
أتذكرين َ طريقا رممته ُ خطايانا ..
فكيف َ بنا نخطو إلى صدع ِ ..
تنفــَّـسي ..
ضاق َ ليلي ..
واختمار ُ ضيائي نجمة ٌ تستحي ..
من زحمة ِ القرع ِ ..
ردّي شبابيك َ أحلامي ..
لألتقط َ الرؤيا بمبخرة ٍ ..
سالت إلى سمعي .. )
#حُب_جكاير_عشك
#عمرالسراي
وتذكرتُ أني سمعت حديث عجوزٍ
تقول لنا
إن من مات أومن سيُدفن
قرب علي ٍ
سيغفو طويلاً
لان البيوت بجيرانها
              يا صغارْ
وها انا جارك
يا سيدي يا علي
أسمع صوت أذانك في الفجر
وهو يبلل ارواحنا المتعبة
يتسلل عبر القرى والبيوت القديمة
وارى الناس تنهض من موتها
كل فجرٍ
وتركض مسرعةً للصلاة وراءك
وحاولت أن اشبه الناس في مشيهم
واتبعهم كي أصلي خلفك
فقد قال لي احد الساكنين القدامى
جواري
بأن الصلاة وراءك
تشبه ثوباً جديداً
يوزع في ليلة العيد
للمتعبين واليتامى
قرار خلف خرائط الدروب

انا القادمُ من مدنِ الطوفان، أستعيد مواثيقي المضطربة ، مهابة الورق المبتلَ في دفاتر الأمكنةِ اللاهثة

أرجوحة للمدن الضئيلة ، فراغنا ألابدي، خرائط الدروب ،
أنسانيتنا الموغلةِ في فم يغثو فضاءات الذاكرة ، 

نرممُ لوحات الاجلِ إلاتي ، 
فراغ مرسوم على جبهات سلالم الموت ،بمفازةِ أزمنةٍ لاتشبهُ أخرياتها ، حد التوبة ،

تتشبث بمخالب الخلاص نحو أفاق رحبة ،
لاتعقد عنفوان رغبتها ،
أمام َ حقيقية ثرثرة النجوم المغادرةِ...
مُفرد ، اطوف حول نفسي
.
.
.مُفردٌ ،
 أبْحثُ بحقولِ الليلِ
أطوفُ حولَ نفسي
أحرقُ محاصيلَ الثوبِ السعيدِ  !! أُسدِّدُ على مشيئتي شجرةَ لبلابٍ بالغةَ سنَّ الرشدِ ،  أبتعدُ عن ‌ وجنتيكِ ، الاقراطُ النحاسيةُ ، حباتُ العنبِ الصغيرةِ ، عيونُ الديكِ  المزدهرةِ وهو يَصيحُ !!

مُفردٌ ،
 أرتبُ أناشيدَ الطِّيورِ المهاجرةِ ،
 لغةُ الوداعِ سائغةٌ ، يمتلئ فمُها ، بالعقاقيرِ الناعمة ،
   الغبارُ العتيقُ ، أسرابُ الحكاياتِ ، ودمعٌ أخضرُ ، لا شأنَ للرموشِ بكلِّ الأناشيدِ القاحلةِ ، سوى الندى ، الندى الناعمُ الملتصقُ بالفجيعةِ الصغيرةِ
   
مفردٌ ،
  أعدُّ ترتيبَ مفرداتي الحمقى ،
هنا ، تكاثرتْ مثلَ مدرسةِ نملٍ ، أصابَها القحطُ ، هناك عندما كنتُ أعيدُ ترانيمَ الخَبلِ ، بينهما وادٍ من سحابٍ لئيمٍ  ، وشرارةِ حبٍ تنبئ بتأتأةِ طفلٍ ، يرشُ بولَهُ بعنايةٍ على قلبِ الكونِ

مفردٌ  ،
أصفقُ ،
 أُصلِّي دونَ وقتٍ ما
 أصبغُ أبوابَ الحروفِ
       أراقبُ المتحفَ
       أتصلُ ببائعِ الثيابِ،
 أصدمُ الكرةَ  بالحائطِ وأمزحُ مع الصدى،
 أمسحُ الترابَ عن المذياعِ  ، أصفرُ للمشفى ، أرقصُ بخفيةٍ ، أحدقُ بالمرآةِ،  أتدربُ على ضحكةِ زورٍ   ،  أكتبُ على ظهرِ الغيابِ ،

مفردٌ  ،
  أبكي
.
.
قَضوا تحتَ الظلِّ باطّرادٍ ،

دوّنْ ملامحي خلسةً أيّها البئرُ ، سلْني من أكون على الأرضِ ‘
من أكون على الغمامْ .
إذبحْ طائرَكَ في عنقي ،
يعصرني مثلَّ نهدِ تينةٍ خلقَتْ من بياضهِ هديلَ الحمامْ .
كم مرةٍ تركتَني طُحلبةً لزجةً على دلّوكَ ،
أو هناكَ أتوارى طريدةً عاريةً لفخاخِ الثعالب ِ،
مَنْ مِثلي يلوكُ سرّ إختفاءِِ فروسيةِ الخطابِ في كيسِ بُنٍّ عربيٍ ّ،
صَدِّقْ أنّ الأخبارََ تجاريةٌ تفتحُ مزادَ الربحِ في تشرينَ ،
أو تتحدثُ عن موتِ الأيائلِ في بلادِ الكلسْ ،
أهربُ باتجاهِ غابةِ المنبوذينَ المطيرةَ ،
لا أبيعُ بئريٍ للآلهةِ الصغارِ ،
لكن الشعاراتِ تضيقُ جثةً أنيقةً تقطنُ دائرةَ الطبِ العدلي كلما قرأتُ سورةَ الرومْ .
لا أبيعُ المكانَ للنعاسِ ، ولا النومَ للمكانْ ،
بكاؤنا حباتُ كرزٍ لفجرٍ سيأتي بفاكهةِ صفصافِةٍ بريةٍ ، وفجرٍ لذلك البئرِ المغمسِ بالنشيدْ .
َلا فرقَ بين تشققِِ جدارِ القصيدةِ ،
واشتعالِ ثقةٍ غائرةِ الشكِ في ظنِّ صوفيٌّ يُفرّغُ صبرَهُ على حجرٍ مبتورٍ قفاه !
كنّا نعدّ الذينَ قَضوا فيه باطرادٍ ،
الفُ إلا بندولةً ويكتملُ البئرُ بالتمام .
جاءَ سادنُ البندقيةِ يوزِعُ اسماءَهم عيوناً على شموعِ نهرِ ليلِ الأربعاءْ ،
هبطوا فينا ،
تركوا صداعَهم في رؤوسِنا ‘
ثم مرّوا ،
ثم مرّوا...
ذلك صوتكِ البعيد
البعيد جدا
ظلّ يبحث عن حنجرةٍ  ليضمدَها
 بصداهُ
صداهُ الذي وشمتْه الروح بالقلق
اين انت ؟!
انا هنا
قلبٌ واهٍ يبحث عنكِ في  البعيد
انا صوتُكَ
وانتِ.....
لاصورةَ لكِ في زوال الجمر
الجمر الذي عانق موقد شفاهك
 باشرعة الخوف
 وبأدعية روحي الظامئة
لتنفس خطاك
وبهمّي انا
لا بهمِّك......
وانتِ لابدةٌ في بئر وهمٍ
 تستحي ان تهمسَ لك
فلا صوت لها الّاكُ
وبصوتك البعيد جداا
اراكِ
واشمُّ حروفَ همستك وهجَ بلادٍ
وابتسامتَك روحاً
وشعرَك  هواءَ ذبيح
اين انت? !
انا هنا....
بعيدةٌ انتِ
انتظرُك على دمعةِ موقدٍ
 يبستْ ساقاه
لا رياحي توقظُ نارَه
ولا جراحي تضمّه رمادا في كفّك
انا وانت فقط
من يمسحُ احلامَنا فوق
 سريرٍ من رماد؟
ليقول لنا :
خطواتُكم جمرٌ...
 خطواتُكم رمادٌ..
والرياحُ ابواقٌ لم تنم
 في ليالي
الصمت
البعيد.....