قصائد تشرين
عدنان الفضلي
فتى الدخان
الى صفاء السراي
مساحةٌ قصيرة
تلك التي يُهرول فيها الأولاد
فما بين جسر الجمهورية وساحة التحرير
هناك بضعةُ أمتار من الدخان
وغيمةٌ مسرعةٌ من الرصاص
ذاكرةُ الفتى الراكض في تلك الأمتار
محصورةٌ بين حدائقَ وحرائقَ
لا الصراخُ ينقذه
ولا الإشارةُ يفهمها الأوباش
لذلك استدارَ الفتى عائداً الى الجسر
وجوفُه مليءٌ بالبارود والدخان
*****
المدينة والزجاج الذي يمشي حافياً
مذ خُلقت هذه المدينة
والحروب ترفض أن تضع فواصل بين تواريخها
مذ نُسبت الى هذا الوطن البليد ..
الذي يبتسم فقط، عند الوجوه المدمّاة
وهي لا تعرف سوى:
الحرب - الدم - القبر - النشيج - الوصايا - السجون - السعال
مدينة تعجّ بالكتب المرصوصة وقوائم الراحلين سهواً
تلوّح أبداً بمناديل الأمهات ..
لعربات الهاربين قسراً أو بمشيئتهم
مذ نُبشت هذه الأرض وتدفّق التأريخ ..
لم أقرأ عنها سوى ما يسمى الغناء - غثّه والسمين
وكيف يتسوّل الشعراء في أزقتها بحثاً عن قصيدة
مدينة تستفزّ الرائي ..
وهو يستبدل وصاياها بمصائب شاحبة اللون
حيث نباح الريح الذي يداهم سكونها
ويجعل ليلها سرمدياً ..
بعد ممات الصبح الذي شحّ عليه الضياء
مذ بواكير الذي رأى ..
وزجاجها الذي يمشي حافياً، يقطّع أوتار قيثاراتها
هي بئر من قصاصات، والذين يَدلون بها ..
يشربون ماء قصائد الحزن والأخطاء المتناسلة
مدينة لا تنضب فيها الأمومة الخائفة ..
والأبوّة التي بقيت سقوفاً تنام على السقوف
مذ أول غراب علّمها قداسة الموتى ..
وهي تسيء الظن بأولادها ..
حتى صارت مقصلة
لم تحتضن موسيقاهم اليافعة
ولا القصائد التي أنجبها الفتية الذين
صاروا جوّالين في المدن الغريبة والمنافي
مدينة حتى الآن ..
يُضحي المساكين بحقولهم الصفراء
يقفون على مداخلها ..
ينتظرون (غودو) الذي عاد ولم يره أحد
ويتركون منقار السيّد ..
يأكل البيدر ويحرق ماتبقى من الحقول
*****
مرايا عمر سعدون
حين أيقُن أن لا جسر آخر في الناصرية
يسمح بعبور حفنة أحلامه الى الضفة الأخرى
حزم عمر سعدون جميع مراياه ومضى
لم يلتفت الى الحبوبي
لم يركّز على وجوه من رافقوه مسيرة الغياب
كان مهتماً بتمشيط الأماكن التي سيزرع فيها مراياه
المرآة الأولى:
تعكس صورة سماء منافقة
تقف على الحياد منذ مطلع تشرين
المرآة الثانية:
ترمم صورة آخر اتكاء لشاعر
على كتف شهيد لوّح للحياة باستحياء
المرآة الثالثة:
تكفكف دمعة نزلت من عيون جواد سليم
واستقرت على رأس صفاء السراي المُشبّع بالدخان
المرآة الرابعة:
تسحب خيوطاً من الفرات
تروف بها جروح الشهداء الغافين على جسر الزيتون
المرآة الخامسة:
تبث نشيجاً عراقياً جديداً
يؤكد أن الأحرار لا يموتون بالمصادفة
المرآة السادسة:
تلمع في عمقها وثائق مسربة من الناصرية
تفشي أسرار الخونة الى جدنا العتيق جلجامش
المرآة السابعة:
تنقل صورةً لملائكة متظاهرين
يرفضون موت نظرائهم الأرضيين
برصاص الجيران
المرآة الثامنة:
على مدارها حفلة تشييع سومري
لفتية يصرّون على تمزيق ظلام التوابيت
المرآة التاسعة:
مغلفة بحجاب المسعفة الشهيدة
الذي تبرعت به ضماداً لجروح ثائر الطيب
المرآة العاشرة:
لن يزرعها عمر السعدون
ففيها بضعة أخطاء
كتبها الشامتون ..
الذين غطوا النعوش بأزهار خبيثة