" ليست للبيع"
قصة قصيرة علي البدر
لحظاتُ مرت ثقيلة. عيون شاخصة تحدق بي هنا وهناك . نهضت وتركتها على الطاولة وخرجت. وكان هذا تقليداً سائداً لنا. أن نترك جريدتنا المفضلة على الطاولة ونحن وسط الناس. أللحظات تتحدى وتأبى أن تنكسرمرتدة لماض بدا بعيداً، لكنه قريبٌ كحبل الوريد.
- رفاقنا.. هاهي أمامكم. من يشتريها؟ لابد من بيعها. نحن بحاجة الى تمويل والظروف صعبة جداً. ألأموال والمساعدات تنهمر كالمطر على الأنقلابيين والتصفيات الدموية للمناضلين مستمرة. عوائل كاملة بلا طعام. لابد أن نتصرف وبمنتهى الكتمان.
- تبيعها وأطفالك يشربون الماء الحار؟
- و "أبو أمل". أطفاله بلا طعام!
وهكذا استمرت المزايدة حتى وصلت إلى خمسين دينار دفعها لي أحد الرفاق وهمَ بالخروج. أوقفته فبدا الإصرار يسري كاللهب في شرايينه.
- ستنقلها الان وسأذهب أنا لتسليم المبلغ لعائلة الشهيد، قلت ذلك وهو يرمقني بنظرات حائرة.
- أيعقل أن أنقلها ليشرب أطفالي ماءً بارداً؟ تبيعها أنت تضحية منك وأنقلها لبيتي؟ أهكذا تربينا؟ قال "زكي بانفعال"
ولم أستغرب في وقتها عندما أخبروني بأن الخلية قررت الموافقة على المزايدة على شراء ثلاجتي وابقائها في بيتي فقد جُمِعَ المبلغ قبل اجتماعنا. وعلمت أيضاً إن هذه المزايدة محاولة لترسيخ وتعميق المباديء التي تربينا عليها لكنها زادت من مسؤولياتي ، بل ضاعفتها ونحن نمر بأقسى حملة تصفية وإبادة وبلا رحمة، ألقتل وبقسوة وسط زنازين مزدحمة. وقبل الخروج قررنا تغيير مكان لقاءاتنا ورفع الأنذار إلى أعلى مراحله وتأجيل اجتماعنا القادم وانتظار التبليغات الطارءة. وقد تعاظم إصرارنا عندما اختفى "زكي" بعد دخول رجال الأمن من بيت الجيران والعبور فوق سياجه وإلقاء القبض عليه حيث اختفى إلى الأبد، ورغم دخولنا في أقصى درجات الإنذار لكن اطمئناناً سرى في أعماقنا بأنه لم ولن يعترف مهما كانت وطأة التعذيب الجسدي والنفسي عليه. وكلما تمر لحظات انهيار، يحاول "شاكر العبد" إفاقته بمزيد من الكدمات ليبدأ التهديد والشتائم على الأم والأخوات والتهديد بقتل ابناءه فرداً فرداً أمامه.
- إعترف وإلا...!
- وإلا ماذا؟
- تموت!
- لا.. أحيا.
- إعترف. قرارٌ صارمٌ بقتلك.
- إقتلوا. إن متُّ اليومَ فأنا شهيد وطني وغداً تموتون أنتم فماذا...؟
- لن نموت، بل ستموتون أنتم أيها الجبناء.
- لو كنت جباناً لما كُبِّلَتْ يدايَ. يصدرُ الشعبُ حُكمهُ يوماً ليموتَ الجبناءُ، يموتُ الخونةُ، تموتونَ أنتُمْ.
كانت يده اليسرى معلقة خلف ظهره، مربوطة بشباك إطاره خشبي ذي قضبان أفقية حديدية ملطخة بدماء متيبسة. إضطر الوقوف متوتر القامة على أطراف أصابعه ليخفف الضغط على ذراعه وكتفه، وكان ارتكازه على ساقه اليمنى جعله يشعر أن عضلاتها قد تصلبت وأصبحت كالصخرة. تصبب العرق وارتخى الجسد. رفع الضابط يده وضربه بقوة على مؤخرة رقبته فشعر بدوار شديد ثم أشار إلى قدر ملييء نصفه بماء يتصاعد البخار منه، محاولاً تهديده.
- سأريك كيف تعترف. سال الدم من جروحه المنتشرة على جسده ومن أصابعه التي نزفت قبل يومين. إنها بلا أظفار. أدرك أنه سيموت لا محالة. إصرار حديدي لا يلين وبات ينتظر الموت، فلابد أن يروي الأرض. غداً... ستورق الأزهار وتتعالى كركرات الأطفال ويزهو الأمل من جديد. مسح الضابط يديه ونظر إليه بحقد تمَّ غادَرَ، بينما بدت أبخرة الماء الحار منتشرة كحمم ملتهبة وبقيَ السجين بعدها بلا حراك وإلى الأبد.
علي البدر
قصة قصيرة علي البدر
لحظاتُ مرت ثقيلة. عيون شاخصة تحدق بي هنا وهناك . نهضت وتركتها على الطاولة وخرجت. وكان هذا تقليداً سائداً لنا. أن نترك جريدتنا المفضلة على الطاولة ونحن وسط الناس. أللحظات تتحدى وتأبى أن تنكسرمرتدة لماض بدا بعيداً، لكنه قريبٌ كحبل الوريد.
- رفاقنا.. هاهي أمامكم. من يشتريها؟ لابد من بيعها. نحن بحاجة الى تمويل والظروف صعبة جداً. ألأموال والمساعدات تنهمر كالمطر على الأنقلابيين والتصفيات الدموية للمناضلين مستمرة. عوائل كاملة بلا طعام. لابد أن نتصرف وبمنتهى الكتمان.
- تبيعها وأطفالك يشربون الماء الحار؟
- و "أبو أمل". أطفاله بلا طعام!
وهكذا استمرت المزايدة حتى وصلت إلى خمسين دينار دفعها لي أحد الرفاق وهمَ بالخروج. أوقفته فبدا الإصرار يسري كاللهب في شرايينه.
- ستنقلها الان وسأذهب أنا لتسليم المبلغ لعائلة الشهيد، قلت ذلك وهو يرمقني بنظرات حائرة.
- أيعقل أن أنقلها ليشرب أطفالي ماءً بارداً؟ تبيعها أنت تضحية منك وأنقلها لبيتي؟ أهكذا تربينا؟ قال "زكي بانفعال"
ولم أستغرب في وقتها عندما أخبروني بأن الخلية قررت الموافقة على المزايدة على شراء ثلاجتي وابقائها في بيتي فقد جُمِعَ المبلغ قبل اجتماعنا. وعلمت أيضاً إن هذه المزايدة محاولة لترسيخ وتعميق المباديء التي تربينا عليها لكنها زادت من مسؤولياتي ، بل ضاعفتها ونحن نمر بأقسى حملة تصفية وإبادة وبلا رحمة، ألقتل وبقسوة وسط زنازين مزدحمة. وقبل الخروج قررنا تغيير مكان لقاءاتنا ورفع الأنذار إلى أعلى مراحله وتأجيل اجتماعنا القادم وانتظار التبليغات الطارءة. وقد تعاظم إصرارنا عندما اختفى "زكي" بعد دخول رجال الأمن من بيت الجيران والعبور فوق سياجه وإلقاء القبض عليه حيث اختفى إلى الأبد، ورغم دخولنا في أقصى درجات الإنذار لكن اطمئناناً سرى في أعماقنا بأنه لم ولن يعترف مهما كانت وطأة التعذيب الجسدي والنفسي عليه. وكلما تمر لحظات انهيار، يحاول "شاكر العبد" إفاقته بمزيد من الكدمات ليبدأ التهديد والشتائم على الأم والأخوات والتهديد بقتل ابناءه فرداً فرداً أمامه.
- إعترف وإلا...!
- وإلا ماذا؟
- تموت!
- لا.. أحيا.
- إعترف. قرارٌ صارمٌ بقتلك.
- إقتلوا. إن متُّ اليومَ فأنا شهيد وطني وغداً تموتون أنتم فماذا...؟
- لن نموت، بل ستموتون أنتم أيها الجبناء.
- لو كنت جباناً لما كُبِّلَتْ يدايَ. يصدرُ الشعبُ حُكمهُ يوماً ليموتَ الجبناءُ، يموتُ الخونةُ، تموتونَ أنتُمْ.
كانت يده اليسرى معلقة خلف ظهره، مربوطة بشباك إطاره خشبي ذي قضبان أفقية حديدية ملطخة بدماء متيبسة. إضطر الوقوف متوتر القامة على أطراف أصابعه ليخفف الضغط على ذراعه وكتفه، وكان ارتكازه على ساقه اليمنى جعله يشعر أن عضلاتها قد تصلبت وأصبحت كالصخرة. تصبب العرق وارتخى الجسد. رفع الضابط يده وضربه بقوة على مؤخرة رقبته فشعر بدوار شديد ثم أشار إلى قدر ملييء نصفه بماء يتصاعد البخار منه، محاولاً تهديده.
- سأريك كيف تعترف. سال الدم من جروحه المنتشرة على جسده ومن أصابعه التي نزفت قبل يومين. إنها بلا أظفار. أدرك أنه سيموت لا محالة. إصرار حديدي لا يلين وبات ينتظر الموت، فلابد أن يروي الأرض. غداً... ستورق الأزهار وتتعالى كركرات الأطفال ويزهو الأمل من جديد. مسح الضابط يديه ونظر إليه بحقد تمَّ غادَرَ، بينما بدت أبخرة الماء الحار منتشرة كحمم ملتهبة وبقيَ السجين بعدها بلا حراك وإلى الأبد.
علي البدر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق