🚅التآزر هو قطار الحياة🌷🌹
السماء تكسوها الغيوم و الأجواء ممطرة، قطرات الشتاء تهطل رويدا على التربة حيث تنبعث منها رائحة رائعة، ذكرى لحرث الأرض بالمحراث الخشبي حينما تجره الدواب.
محطة القطار مليئة بالناس، الكل ينتظر قدومه، وجوه و عيون تخطف الأنظار، تحملق مرة على الساعة الحائطية و مرة على السكك الحديدية.
هناك المبتسم و الحزين، هناك النشيط و الخامل، هناك القوي و الضعيف، هناك الصغار و الكبار، هناك النساء و الرجال، هناك الغني و الفقير، هناك الطويل و القصير، هناك النحيف و السمين، هناك الأنيق و البشع، هناك المريض و الصحيح، هناك الصامت و الثرثار، هناك جميع الأشكال و الأنواع هناك جميع الأحاسيس و الهيئات المختلفة، هناك جميع طبقات المجتمع.
وسط ضجيج الصمت سمع عبر مكبر الصوت إعلان عن قدوم القطار السريع المتجه نحو الشمال : " سيداتي و ساداتي القطار القادم من الجنوب و المتجه إلى الشمال سيصل إلى المحطة بعد دقائق، استعدوا للركوب عند الرصيف الثاني، احذروا لا تمروا فوق السكك، للعبور للرصيف الآخر استعملوا الممرات تحت الأرضية "
بعد قليل سمع منبهات القطار معلنا عن قدومه، بدأ الناس يتسارعون و يتهافتون حاملين أمتعتهم و حقائب السفر و تذاكر الرحلة، وقف القطار على الرصيف الثاني ففتح أبوابه، نزل المسافرون القادمون من الجنوب و شرع المسافرون نحو الشمال لولوج لداخل القطار، الناس تختلف عقليا و فكريا تربويا و إجتماعيا فهناك من صعد إلى القطار بهدوء و نظام و هناك من لم يحترم المسافرين بضجيجه و صخبه و سرعة ولوجه و ازدحامه عند البوابات.
منبهات القطار تتعالى معلنة على بداية انطلاق القطار نحو الشمال، بدأ ينطلق رويدا رويدا و الأبواب تنغلق، بمجرد انطلاقه شرع المراقبون لمعاينة التذاكر و مساعدة المسافرين لولوج إلى مقاعدهم حسب الدرجات و الامتيازات، الكل أخذ مكانه و وضع الحقائب في الأماكن المخصصة لها.
في مقعد في أقصى القاطرة توجد امرأة في عقدها الخامس، مرتدية جلباب تقليدي لونه بني منفتح، واضعة رداء أسود على رأسها حيث تظهر لك خصلات شعرها على جبينها،
و بجانبها طفل حالق الشعر عمره تقريبا عشر سنوات، شاحب الوجه تبدو عليه علامات العياء.
فجأة قالت المرأة : " يابني تمالك نفسك و تماسك فإن مع الصبر يسر، لقد ألفت منك القوة و الكفاح رغم أنك مريض بالسرطان، إبتسم يابني فأسنانك الناصعة و ضحكتك الرائعة تجعلني سعيدة و منشرحة الصدر، فهذه هي الحصة الأخيرة من العلاج الكيماوي، و كما تعلم فقد اطمأننا الطبيب المختص أن هذه الجرعة الأخيرة ستقضي نهائيا على الخلايا السرطانية، ستعود إليك صحتك و قوتك"
أجابها الإبن و الإبتسامة لا تفارق ثغره :" أمي احببتك كثيرا،فكل نصائحك و اهتمامك المتواصل جعلني أكافح في صحتي للحفاظ على قوتي، كما لايخفى عليك يا أمي فإنني ألتقي أعلى الدرجات و أسمى المراتب بفضلك و عنايتك، فقد صار عندي السقم مثل السراب لا أهتم به، كان شعاري التفاؤل و الأمل في الحياة، كل جرعة دواء أتذكر سهرك الليالي معي ،كل مرة أتناول الأدوية أفتكر و انا مستلقي على الأريكة نبرات صوتك الحنون و انت تتلين علي الدروس و تراجعين معي المقررات، أشكرك كثيرا يا أمي انت المربية انت المساعدة أنت المدرسة أنت كلما أملك "
قبلها فوق جبينها و شكرها ثم استرخى على صدرها و هي تذاعبه بأصابعها الحنونة حتى نام.
في المقعد المجاور قريبا من الأم و ابنها يجلس شابان في عقدهما الثالث يتقاربان في العمر، يتجاذبان الحديث و الضحكة لاتفارقهما، الشاب وسيم مرتديا معطفا أسودا و تحته قميص أبيض مع ربطة عنق ، يضع نظارات طبية أما الشابة فهي تملك جمال و حسن ملائكي لابسة لباس عصري
مقاوم للبرودة، كلما أرادت أن تتكلم و هي مبتسمة تلمس بيدها يد الشاب و عند التقاء الأيدي من الوهلة ترى خواتم الزواج و الحناء.
قال لها الشاب :" حبيبتي لقد مر العرس في أحسن الأحوال و كانت الأمور جيدة، و الضيوف كانوا سعداء بالحفل حيث غنوا و رقصوا و ضحكوا ،لقد تمتعوا بالفرح كما شكروا الجميع و خصوصا معد البسطيلة الأكلة المفضلة عند الكل "
ابتسمت الزوجة قائلة: " حبيبي لقد أحسست أنني أميرة لما وضعت التاج فوق رأسي، حاملة أنفس الجواهر و الحلي و لباس من الحرير المطرز بخيوط ذهبية، و لما ركبت الهودج و أتمايل على الأكتاف أحسست بشعور غريب و رائع كأنني راكبة سفينة تيتانيك أطفو على ماء البحر "
يتبادلان الحديث و يتهامسان بهدوء، الإبتسامة لاتفارق محياهما ، يتكلمون عن شهر العسل الذي سيقضيان في إحدى مدن الشمال.
في وسط القاطرة يجلسان رجلان ملتصقان متحاديان متقاربان، رجل ذو بنية قوية و شارب مفتول و عينان جاحظتان، و هو مرتديا لباسا عسكريا من خلال النياشين يبدو أنه من رتبة سامية في الجيش، أما الرجل الآخر فهو شاحب مذعور حزين تبدو عليه علامات اليأس شعر اشعت و لحية تكسوها البيض جهة الذقن.
قال الرجل الشاحب متألما : "سيدي إن معصمي تضرني بفعل قيود الكلابشات المعدنية، هل يمكن لك ان تفتح لي واحدة و تربطها في الكرسي، من الأفضل اليمنى لأني أريد أن ادخن سيجارة، لقد أحسست بالقنط و اليأس في الحياة، والحكم علي بالمؤبد جور و ظلم، إنني بريء لم اسرب أي سر عسكري و لم أتعامل مع الأجانب، فحب الوطن يسري في كياني"
أجابه بلكنة قاسية فيها نوع من التملص و الحذر : " سافتح لك معصم واحد، و لا أريد منك أن تثير الإنتباه لأنني ساغطي يدك المقيدة بمعطفي، لا أريد منك الصياح و لا لفت الإنتباه، أما فيما يخص براءتك فحكم المؤبد ليس سوى ابتدائي ففي الإستئناف ستظهر الحقيقة، المهم سترافقني بكل هدوء خلال رحلتنا إلى إحدى السجون في جزيرة وسط بحر الشمال"
بعدما حكم قيد يده اليسرى على عمود الكرسي غطاها بالمعطف ثم أشعل له سيجارة معدة خصيصا للرحلة، فهي مزيج من التبغ و مخدر الحشيش بكمية مركزة يخلد مدخنها للنوم العميق بمجرد إنهاء تدخينها، دخن السيجارة ونام وهو يردد إحدى مقاطع أغنية كوكب الشرق أم كلثوم " اعطيني حريتي و أطلق يديا... آه من قيدك ادمى معصمي "
في الجانب الآخر نلاحظ ممرضة بزيها الطبي و هي مرافقة لرجل عجوز تبدو عليه بوادر المرض، رجل نحيف ذو لحية بيضاء حامل لعكاز خشبي و نظارات بصرية ، واهن القوى شاحب الوجه ، أما الممرضة فهي شابة ذات وجنتين ورديتين و قوام رشيق و جمال جذاب .
فقالت له :"سيدي بعدما كانت رجلك إنكسرت بعد و قوعك من أعلى السلم، فبعد الترويض و التدليك فقد التأمت رجلك و شفيت تماما، فهذه الرحلة للشمال للنقاهة و للعلاج الطبيعي في إحدى الحمامات الجبلية الساخنة حيت أن الماء المعدني فيه كثافة عالية من المعادن التي ستعالج رجلك نهائيا"
أجابها العجوز : " انت شابة جميلة و عزباء، فلست فقط ممرضتي فأنت استطعت أن تداوين جراحي فقد كان قلبي ينبض بسرعة أما الآن صار يحبك و قررت أن أتزوج بك فموافقتك تكون هذه الرحلة شهر عسل و ليس رحلة نقاهة وعلاج"
الممرضة بدت عليها علامات القبول فالسكوت علامة الرضا، اتصلت الممرضة بوالديها فحكت لهم الحكاية الغرامية فوافقوا في الحين لأن الزوج رجل غني و ذو جاه. فرح العجوز بقبولها الزواج و بدون شروط.
القطار السريع و الناس تتهامس و تتكلم في شتى المواضيع، فجأة سمع اصطدام قوي بحاجز، و بدأ الصراخ و الصياح يتعالى، و القاطرات زاغت من سكتها، ومقدمة القطار ارتطمت بسور من الخرسانة فانقلب علي عقبيه، فتكاثر الصراخ و الصراع على الخروج من القطار بعد وقوفه أثر الحادثة، حينها تبدو للناجين أجساد ممدودة و جرحى و دماء، صورة تراجيدية مؤلمة.
ذاع الخبر بسرعة بين وسائل الاتصال الحديثة، فحضرت اللجنة الطبية و الوزارية لعين المكان لمؤازرة الجرحى و المعطوبين، و وصلت سيارات الإسعاف لنقل المعطوبين و الجرحى للمستشفيات العسكرية حيث توجد جميع تقنيات العلاج من آلات طبية و طاقم طبي متطور من جراحين و متخصصين.
رغم هذه الأزمة فقد لوحظ تظافر الجهود لتقليص الخسائر فقد كون الشباب على موقع التواصل الإجتماعي صفحة ميدانية تنقل بالصورة و الصوت جميع الأحداث.
على مكبر الصوت نادى المنادي بصوت مسموع للجميع :" سيداتي ساداتي بتعاونكم و تآزركم بشكل حضري سنقدر بسرعة تجنب الكارثة الحقيقية، بفضلكم سننقد الأرواح و نفرح عائلات كثيرة تنتظر احبابها للعودة لديارهم"
بعد لحظة رئيس لجنة جمع الحقائب و الأمتعة فقال في مكبر الصوت : " نشكر جميع الشباب المكافح و المجاهد في سبيل القيام بمهامهم في أحسن شكل حيث استطعنا في ظرف وجيز جمع كل الحقائب و الأمتعة بدون ضياعها واختلاسها، نشكر جميع من ساعد عن قريب أو بعيد في إتمام هذه المهمة في أحسن الأحوال "
بعده تناول الكلمة رئيس اللجنة الطبية الدكتور المختص فقال:" بعد اذنكم ،فإن بلطف ربنا ورحمته قمنا بمهمتنا كاملة و استطعنا أن ننقل الجرحى و المعطوبين بواسطة سيارات الإسعاف و المروحيات الطبية في أحسن الظروف، و نشكر جميع الشباب الذي انضم الى المستشفيات للتبرع بالدم وإنقاذ الناس من الموت، شباب ناضج فكريا وعقليا، الأهم هو أن آخر سيارة الإسعاف نقلت آخر فوج قبل قليل"
بعد ذلك أخذ رئيس لجنة الإعلام الكلمة فقال:" بعد جمع كل المعطيات و الأسباب التقنية للحديث و التعرف على أسماء الجرحى سنوافيكم بكل المستجدات في النشرات الإخبارية على الموقع الرسمي لحادثة القطار، و نتمنى أن لا تكون هناك وفيات "
و تستمر الحياة و السلام و التسامح و التآزر و التعاون بين كل المواطنين الغيورين على الوطن.
....
الأيسري الصديق
Versailles - Railroad Disaster
A. Provost (1834-1855)
السماء تكسوها الغيوم و الأجواء ممطرة، قطرات الشتاء تهطل رويدا على التربة حيث تنبعث منها رائحة رائعة، ذكرى لحرث الأرض بالمحراث الخشبي حينما تجره الدواب.
محطة القطار مليئة بالناس، الكل ينتظر قدومه، وجوه و عيون تخطف الأنظار، تحملق مرة على الساعة الحائطية و مرة على السكك الحديدية.
هناك المبتسم و الحزين، هناك النشيط و الخامل، هناك القوي و الضعيف، هناك الصغار و الكبار، هناك النساء و الرجال، هناك الغني و الفقير، هناك الطويل و القصير، هناك النحيف و السمين، هناك الأنيق و البشع، هناك المريض و الصحيح، هناك الصامت و الثرثار، هناك جميع الأشكال و الأنواع هناك جميع الأحاسيس و الهيئات المختلفة، هناك جميع طبقات المجتمع.
وسط ضجيج الصمت سمع عبر مكبر الصوت إعلان عن قدوم القطار السريع المتجه نحو الشمال : " سيداتي و ساداتي القطار القادم من الجنوب و المتجه إلى الشمال سيصل إلى المحطة بعد دقائق، استعدوا للركوب عند الرصيف الثاني، احذروا لا تمروا فوق السكك، للعبور للرصيف الآخر استعملوا الممرات تحت الأرضية "
بعد قليل سمع منبهات القطار معلنا عن قدومه، بدأ الناس يتسارعون و يتهافتون حاملين أمتعتهم و حقائب السفر و تذاكر الرحلة، وقف القطار على الرصيف الثاني ففتح أبوابه، نزل المسافرون القادمون من الجنوب و شرع المسافرون نحو الشمال لولوج لداخل القطار، الناس تختلف عقليا و فكريا تربويا و إجتماعيا فهناك من صعد إلى القطار بهدوء و نظام و هناك من لم يحترم المسافرين بضجيجه و صخبه و سرعة ولوجه و ازدحامه عند البوابات.
منبهات القطار تتعالى معلنة على بداية انطلاق القطار نحو الشمال، بدأ ينطلق رويدا رويدا و الأبواب تنغلق، بمجرد انطلاقه شرع المراقبون لمعاينة التذاكر و مساعدة المسافرين لولوج إلى مقاعدهم حسب الدرجات و الامتيازات، الكل أخذ مكانه و وضع الحقائب في الأماكن المخصصة لها.
في مقعد في أقصى القاطرة توجد امرأة في عقدها الخامس، مرتدية جلباب تقليدي لونه بني منفتح، واضعة رداء أسود على رأسها حيث تظهر لك خصلات شعرها على جبينها،
و بجانبها طفل حالق الشعر عمره تقريبا عشر سنوات، شاحب الوجه تبدو عليه علامات العياء.
فجأة قالت المرأة : " يابني تمالك نفسك و تماسك فإن مع الصبر يسر، لقد ألفت منك القوة و الكفاح رغم أنك مريض بالسرطان، إبتسم يابني فأسنانك الناصعة و ضحكتك الرائعة تجعلني سعيدة و منشرحة الصدر، فهذه هي الحصة الأخيرة من العلاج الكيماوي، و كما تعلم فقد اطمأننا الطبيب المختص أن هذه الجرعة الأخيرة ستقضي نهائيا على الخلايا السرطانية، ستعود إليك صحتك و قوتك"
أجابها الإبن و الإبتسامة لا تفارق ثغره :" أمي احببتك كثيرا،فكل نصائحك و اهتمامك المتواصل جعلني أكافح في صحتي للحفاظ على قوتي، كما لايخفى عليك يا أمي فإنني ألتقي أعلى الدرجات و أسمى المراتب بفضلك و عنايتك، فقد صار عندي السقم مثل السراب لا أهتم به، كان شعاري التفاؤل و الأمل في الحياة، كل جرعة دواء أتذكر سهرك الليالي معي ،كل مرة أتناول الأدوية أفتكر و انا مستلقي على الأريكة نبرات صوتك الحنون و انت تتلين علي الدروس و تراجعين معي المقررات، أشكرك كثيرا يا أمي انت المربية انت المساعدة أنت المدرسة أنت كلما أملك "
قبلها فوق جبينها و شكرها ثم استرخى على صدرها و هي تذاعبه بأصابعها الحنونة حتى نام.
في المقعد المجاور قريبا من الأم و ابنها يجلس شابان في عقدهما الثالث يتقاربان في العمر، يتجاذبان الحديث و الضحكة لاتفارقهما، الشاب وسيم مرتديا معطفا أسودا و تحته قميص أبيض مع ربطة عنق ، يضع نظارات طبية أما الشابة فهي تملك جمال و حسن ملائكي لابسة لباس عصري
مقاوم للبرودة، كلما أرادت أن تتكلم و هي مبتسمة تلمس بيدها يد الشاب و عند التقاء الأيدي من الوهلة ترى خواتم الزواج و الحناء.
قال لها الشاب :" حبيبتي لقد مر العرس في أحسن الأحوال و كانت الأمور جيدة، و الضيوف كانوا سعداء بالحفل حيث غنوا و رقصوا و ضحكوا ،لقد تمتعوا بالفرح كما شكروا الجميع و خصوصا معد البسطيلة الأكلة المفضلة عند الكل "
ابتسمت الزوجة قائلة: " حبيبي لقد أحسست أنني أميرة لما وضعت التاج فوق رأسي، حاملة أنفس الجواهر و الحلي و لباس من الحرير المطرز بخيوط ذهبية، و لما ركبت الهودج و أتمايل على الأكتاف أحسست بشعور غريب و رائع كأنني راكبة سفينة تيتانيك أطفو على ماء البحر "
يتبادلان الحديث و يتهامسان بهدوء، الإبتسامة لاتفارق محياهما ، يتكلمون عن شهر العسل الذي سيقضيان في إحدى مدن الشمال.
في وسط القاطرة يجلسان رجلان ملتصقان متحاديان متقاربان، رجل ذو بنية قوية و شارب مفتول و عينان جاحظتان، و هو مرتديا لباسا عسكريا من خلال النياشين يبدو أنه من رتبة سامية في الجيش، أما الرجل الآخر فهو شاحب مذعور حزين تبدو عليه علامات اليأس شعر اشعت و لحية تكسوها البيض جهة الذقن.
قال الرجل الشاحب متألما : "سيدي إن معصمي تضرني بفعل قيود الكلابشات المعدنية، هل يمكن لك ان تفتح لي واحدة و تربطها في الكرسي، من الأفضل اليمنى لأني أريد أن ادخن سيجارة، لقد أحسست بالقنط و اليأس في الحياة، والحكم علي بالمؤبد جور و ظلم، إنني بريء لم اسرب أي سر عسكري و لم أتعامل مع الأجانب، فحب الوطن يسري في كياني"
أجابه بلكنة قاسية فيها نوع من التملص و الحذر : " سافتح لك معصم واحد، و لا أريد منك أن تثير الإنتباه لأنني ساغطي يدك المقيدة بمعطفي، لا أريد منك الصياح و لا لفت الإنتباه، أما فيما يخص براءتك فحكم المؤبد ليس سوى ابتدائي ففي الإستئناف ستظهر الحقيقة، المهم سترافقني بكل هدوء خلال رحلتنا إلى إحدى السجون في جزيرة وسط بحر الشمال"
بعدما حكم قيد يده اليسرى على عمود الكرسي غطاها بالمعطف ثم أشعل له سيجارة معدة خصيصا للرحلة، فهي مزيج من التبغ و مخدر الحشيش بكمية مركزة يخلد مدخنها للنوم العميق بمجرد إنهاء تدخينها، دخن السيجارة ونام وهو يردد إحدى مقاطع أغنية كوكب الشرق أم كلثوم " اعطيني حريتي و أطلق يديا... آه من قيدك ادمى معصمي "
في الجانب الآخر نلاحظ ممرضة بزيها الطبي و هي مرافقة لرجل عجوز تبدو عليه بوادر المرض، رجل نحيف ذو لحية بيضاء حامل لعكاز خشبي و نظارات بصرية ، واهن القوى شاحب الوجه ، أما الممرضة فهي شابة ذات وجنتين ورديتين و قوام رشيق و جمال جذاب .
فقالت له :"سيدي بعدما كانت رجلك إنكسرت بعد و قوعك من أعلى السلم، فبعد الترويض و التدليك فقد التأمت رجلك و شفيت تماما، فهذه الرحلة للشمال للنقاهة و للعلاج الطبيعي في إحدى الحمامات الجبلية الساخنة حيت أن الماء المعدني فيه كثافة عالية من المعادن التي ستعالج رجلك نهائيا"
أجابها العجوز : " انت شابة جميلة و عزباء، فلست فقط ممرضتي فأنت استطعت أن تداوين جراحي فقد كان قلبي ينبض بسرعة أما الآن صار يحبك و قررت أن أتزوج بك فموافقتك تكون هذه الرحلة شهر عسل و ليس رحلة نقاهة وعلاج"
الممرضة بدت عليها علامات القبول فالسكوت علامة الرضا، اتصلت الممرضة بوالديها فحكت لهم الحكاية الغرامية فوافقوا في الحين لأن الزوج رجل غني و ذو جاه. فرح العجوز بقبولها الزواج و بدون شروط.
القطار السريع و الناس تتهامس و تتكلم في شتى المواضيع، فجأة سمع اصطدام قوي بحاجز، و بدأ الصراخ و الصياح يتعالى، و القاطرات زاغت من سكتها، ومقدمة القطار ارتطمت بسور من الخرسانة فانقلب علي عقبيه، فتكاثر الصراخ و الصراع على الخروج من القطار بعد وقوفه أثر الحادثة، حينها تبدو للناجين أجساد ممدودة و جرحى و دماء، صورة تراجيدية مؤلمة.
ذاع الخبر بسرعة بين وسائل الاتصال الحديثة، فحضرت اللجنة الطبية و الوزارية لعين المكان لمؤازرة الجرحى و المعطوبين، و وصلت سيارات الإسعاف لنقل المعطوبين و الجرحى للمستشفيات العسكرية حيث توجد جميع تقنيات العلاج من آلات طبية و طاقم طبي متطور من جراحين و متخصصين.
رغم هذه الأزمة فقد لوحظ تظافر الجهود لتقليص الخسائر فقد كون الشباب على موقع التواصل الإجتماعي صفحة ميدانية تنقل بالصورة و الصوت جميع الأحداث.
على مكبر الصوت نادى المنادي بصوت مسموع للجميع :" سيداتي ساداتي بتعاونكم و تآزركم بشكل حضري سنقدر بسرعة تجنب الكارثة الحقيقية، بفضلكم سننقد الأرواح و نفرح عائلات كثيرة تنتظر احبابها للعودة لديارهم"
بعد لحظة رئيس لجنة جمع الحقائب و الأمتعة فقال في مكبر الصوت : " نشكر جميع الشباب المكافح و المجاهد في سبيل القيام بمهامهم في أحسن شكل حيث استطعنا في ظرف وجيز جمع كل الحقائب و الأمتعة بدون ضياعها واختلاسها، نشكر جميع من ساعد عن قريب أو بعيد في إتمام هذه المهمة في أحسن الأحوال "
بعده تناول الكلمة رئيس اللجنة الطبية الدكتور المختص فقال:" بعد اذنكم ،فإن بلطف ربنا ورحمته قمنا بمهمتنا كاملة و استطعنا أن ننقل الجرحى و المعطوبين بواسطة سيارات الإسعاف و المروحيات الطبية في أحسن الظروف، و نشكر جميع الشباب الذي انضم الى المستشفيات للتبرع بالدم وإنقاذ الناس من الموت، شباب ناضج فكريا وعقليا، الأهم هو أن آخر سيارة الإسعاف نقلت آخر فوج قبل قليل"
بعد ذلك أخذ رئيس لجنة الإعلام الكلمة فقال:" بعد جمع كل المعطيات و الأسباب التقنية للحديث و التعرف على أسماء الجرحى سنوافيكم بكل المستجدات في النشرات الإخبارية على الموقع الرسمي لحادثة القطار، و نتمنى أن لا تكون هناك وفيات "
و تستمر الحياة و السلام و التسامح و التآزر و التعاون بين كل المواطنين الغيورين على الوطن.
....
الأيسري الصديق
Versailles - Railroad Disaster
A. Provost (1834-1855)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق