بقلم الأديب الموسوعي الأستاذ جلال ساجت بخصوص ديوان ( والماء ...) مشكورا
دراسة نقدية لديوان ( والماء ... ) للأديب رجب الشيخ
من افرازات الحجر الصحي الذي أجبر الكثيرين على البقاء في البيت مادعاني للبحث في دفاتري العتيقة فوجدت بينها ديوان ( والماء ) الذي كان قد أهداه لي الأديب رجب الشيخ وبتوقيعه عام ٢٠١٨ وبرغم اني بعين واحدة ووصايا الطبيب عدم إتعابها أو الضغط عليها إلا انني استمتعت وأنا أتصفح هذا الديوان للمرة الثالثة ..
الديوان عبارة عن ومضات مابين الطويلة والقصيرة والمتوسطة أعطاها الشاعر أرقاما بلغت ( ٧٨ ) ومضة طبعت بالقطع الصغير على ( ١٠٧ ) صفحات ختم الديوان بقصيدة للشاعر الجميل عادل قاسم تحت عنوان ( قبعة الشيخ / الى الشاعر رجب الشيخ )
وجدت في هذا الديوان ان الابداع والعمل الجمالي عموما هو من أجل الحياة والانسان في محيطه وبيئته وفي مجمل مناحي عيشه وعلاقاته المجتمعية والانسانية لأن وظيفة جميع الآداب والفنون هي إقامة جسور التواصل بين البشر ، في الومضة التي حملت الرقم ( ١ ) يقول الشيخ الأديب :
أجلس
تحت ضغط الوحدة
أرشف
حرفا وبعض الكلمات
وأرشق ذاكرتي
الرديئة
الرديئة جدا ...أمزج بين تواريخ
أسئلتي التي غادرتني
ثم يستنبط رؤى أكثر وضوحا لفهم الخواص المميزة لأدب ما بعد الحداثة والمنطلقات الجمالية والبلاغية لهذا اللون من الكتابة وأهم ماتميز به هذا النهج هو القدرة على المزاوجة بين الوظيفة الانفعالية للغة المتمردة على كل أشكال السلطة وبين عدم تخطي حدود العقلانية بما لديها من روابط تتحكم بمديات انفتاح النص ، في الومضات من ٣١ الى ٣٥ يقول :
تتسارع الخطى
لمبتغى الذاكرة
بحدود أقرب منها
نور الشمس
لتطوي مسافات
***
علمتني .. سيدة الصبر
أمي ....
كيف تضع شفتي
على ثدييها .. لأنهل صبرا
***
حول قصائدي
اجتمعت ملائكة البوح
وأنشدت أغاريد
بلابل .. روضة غناء
يواصل الأديب الشيخ العمل بإشتغالات تيار مابعد الحداثة على صعيد الشكل والمضمون والتقنية الكتابية وهي تجليات ثقافية لأبعاد مختلفة من الاطار العام لفكر مابعد الحداثة ، ان التوسع في هذا العمل يفضي الى الاجابة على التساؤلات النقدية الحادة المتعلقة بنشأة وتطور المشاريع الثقافية ومحو التمييز بين ثقافة النخبة والثقافة الشعبية أو العامة واعادة بحث وتحديد العلاقة التفاعلية مع المسلمات والمقولات والمفاهيم الاشكالية مثل الهوية ، التاريخ ، اللغة لأن هذا لم يزل غير متحرر من الالتباس والتشويش على مستوى التعاطي مع ماوقع فيه هذا الفكر من تناقضات في نزوعه الى الجموح والافراط في النزعات العقلية التي جردت الوجود من جوهره الباطني وما يشتمل عليه من سحر وغموض
ومضة ( ٣٩ )
أغلقوا نوافذ العقل
واقتلوا عاطفتي
لأموت وانا شاعر شهيد
أو ارجموني بحجارة
الجهل
علكم تحاصروا حرفي
(٤٠ )
سأموت سعيدا
وأنا حققت ذاتي
رغبة التملك .. الذي لا أملك
حتى نفسي
هكذا هو الشعر عند الشيخ الأديب كان ولايزال محاولة لخلق امتداد لغوي لمسيرة الانسان ويومياته الحياتية على طريق ما يحيط به من قلق وتوترات وقد سخر لخدمة تحرره مجمل ما أفضت اليه فكرة المجتمع المدني وما يحتويه من متنفسات فكرية لا يضمر الشاعر فيها نمو وتيرة التعامل بايجابية مع عدم التغاضي عن مفردات حياة الانسان اليومية
٤٥
لأن عينيها كبيرتان
تغوص الفكرة
خلف أسرار البوح
شراسة النظرة
توحي لنا الكثير
ببساطة المعنى
أو ابعد من ذلك
٤٩
لا تختبئي
خلف معطفي
الشتوي
فالثلج
يئن بين
أودية المسافات
البرد
يختار أمكنة
مظلمة
ليفتش
عن قباب
ناضجة بعض الشيء
يجمع الشيخ الأديب في معظم نصوصه بين الغرابة والألفة ، البساطة والعمق ، مما يجعل المتلقي يشعر بالارتياح لأنها تشكل لديه المفتاح للولوج الى تعددية فضاءاتها الرحبة وتمنحه حرية التعاطي مع أساليب الصياغات الأدبية لأنها تسمح لبروز ذاتية المتلقي دون كوابح
٥٦
حين التقيك
أغور بعيدا في مقلتيك
فأجد نفسي أمشي .. ثم أمشي
وأمشي
وأشتهيك .....
مابين أرصفة الحنين
وبين أسوار جفنيك
الى الأديب رجب الشيخ
امرأة
هي أنثى من قمة رأسها
حتى أخمص قدميها
جسدها ينزلق ، يتلوى
كثعبان يطارده نسر
عطرها يندلق
تمتص رحيق البدن
ترتعش خطاها في الزحام
اختزلت كل مزايا الأنوثة
تشع الأقمار من ثناياها
وتحجب المئذنة
نوارس بيضاء تفترش
صدرها على ثلج الجسد البلوري
تغسل عطر الرغبة
بظلامات شعرها
الممتزج برائحة السكون
عطرك يحوم حولي
وانت في فراشك
المبلل بندى الحدائق
جلال ساجت
ت١ ٢٠٢٠

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق